تقسيمُ ليبيا حل أم طريقة للحل؟

أحمد الفيتوري |
أحمد الفيتوري

1-
حين استقلت ليبيا كان المغربُ العربي يُعرف بالشمال الأفريقي الفرنسي، وكانت مصر دولة مُحتلة من قبل الإنجليز، لعل هذا ساهم في أن المسألة الليبية كانت محض مسألة دولية، مما عنى أن التنافس الذي دار حول ليبيا تنافسٌ دولي بين الدول الكبرى المنتصرة في الحرب الكبرى، ومن هذا كان لبريطانيا العظمى والولايات المتحدة الدور الأساس في منح ليبيا استقلالها بقرار أممي رغم التفاصيل والمماحكات التي شابت ذاك الاستقلال.

حين استقلت ليبيا كان المغربُ العربي يُعرف بالشمال الأفريقي الفرنسي

عندها أعاق الاستقلال عوائق جلها محلية ليس إلا، حيث أن أهل الدار لم يعرفوا سبيلا للخلاص وطريقة لتحقيق مآربهم في استقلال ووحدة البلاد، مما وكد أن الجمع الليبي فرقٌ وأن الخلاف سيد الموقف، في هذا الحال كانت ليبيا مُقسمة: نفوذ للأمير إدريس السنوسي على الأرض في الشرق، وقوى مبعثرة ومختلفة على الأرض في الغرب، فيما الجنوب سليب تحت النفوذ الفرنسي بشكل مطلق، وقتها استحوذ الصراع على السلطة بين "الغرابة" و"الشراقة": أي بين سكان الشرق الذين هم خليط من ليبيا وأغلبية أصولها من غرب البلاد تحت زعامة واحدة، فيما كان سكان الغرب أصولهم من ذات المنطقة لكن زعماءهم عدة.

عندئذ وبالتحديد عام 1949م أعلن ميلاد الدولة العربية الثامنة "إمارة برقة"، وذلكم لما سُدت السُبل في وجه "الأمير إدريس السنوسي" ، وبدعم من الحليف "البريطاني" الذي كان يحتل شرق ليبيا ويدير شئونه عقب الحرب، فيما كان غرب ليبيا مُحتلا ومشتتا وأما الجنوب فموحدا تحت الاحتلال الفرنسي، وإعلان "إمارة برقة" جاء كتكريس للأمر الواقع ومن هذا وعلى عجل صدر دستور لبرقة وكون مجلس تشريعي وأعلنت حكومة واعترفت "بريطانيا العظمى" بالدولة الوليدة، لقد أنشأ الانسداد السياسي "حلا" كرسهُ الانقسام والخلاف، لكن من المفارقات التاريخية النادرة أن "التقسيم" لما تحول من القوة إلى الفعل بعث "وحدة الأمة، وحدة البلاد"، إعلان دولة "إمارة برقة" ما جاء كنتاج لتقسيم مكرس وجد تأييدا من أطراف في غرب البلاد كما أوجد رفضا في شرقها ومنهما – أي جماعة التأييد والرفض- تكونت عصبة موحدة شكلت القوى الرئيسة التي كانت محرك "وحدة الأمة، وحدة البلاد"، مما نتج عنه استقلال ليبيا خلال سنتين فقط وبقرار أممي، أي أن وحدة أهل الدار ساهم في خلق حراك دولي جمد التنافس وألغى الخلاف، فنتج وفاق أممي استصدر قرار الاستقلال.

ليبيا اليوم تعاني من تنافس دولي وتنافس إقليمي حول النفوذ ويتحارب بالوكالة على أرضها

2-
ليبيا اليوم عقب وفاق دولي وإقليمي ساهم في خلاصها من سيطرة ديكتاتور عطل الحياة فيها لأربعة عقود، ليبيا اليوم تعاني من تنافس دولي وتنافس إقليمي حول النفوذ ويتحارب بالوكالة على أرضها هذان التنافسان، ما هما حطب ووقود تحاربها الأهلي مما كرس تقسيمها، ليبيا اليوم كما ليبيا الأمس مقسمة ذات التقسيم أي لأقاليم ثلاثة: برقة، طرابلس الغرب، فزان، والمستجد أن البعد الإقليمي بات أيضا يساهم في ذا التقسيم وصاحب نفوذ، والظاهر أن إيطاليا وبريطانيا بالإضافة إلى الجزائر وقطر وتركيا وإلى حد ما تونس والسودان تدعم الغرب "إقليم طرابلس الغرب"، والظاهر أيضا أن فرنسا ومصر والسعودية والإمارات وإلى حد ما روسيا وتشاد تدعم الشرق "إقليم برقة"، والظاهر أن الجنوب "إقليم فزان" محطة خلفية للتنافس بين "الغرابة" و"الشراقة"، لكن هذا لا يعنى أن التقسيم جهويٌ محض بل على العكس هناك تداخل وتشابك بين المتنافسين والمتصارعين مما يوحد البلاد ويجعل الدولة الليبية واحدة على الأرض في معطيات عدة، فيكون التقسيم على المستوي الفوقي للدولة فيما الدولة القوية بفعل النفط والاقتصاد عموما دولة واحدة، هذا المرتكز يجعل الأطراف المحلية المتنافسة والمتصارعة متقاربة ويشدها خيط قوي هو العروة الوثقى في أن مصلحتها كلها في وحدة البلاد.

3-
المناورات والمغالبة ديدن الطرف الغربي لأنه يستشعر أنه الأقوى سواءً بإمكانياته الذاتية أو بتحالفاته، في حين أن الطرف الشرقي يستخدم التهديد والوعيد باعتبار أنهُ صاحب قوة عسكرية موحدة ومدعومة بشكل بيّن وجلي، وعلى الأرض الأقوى هو النفط موحد البلاد رغم التقسيم الظاهر، ويدعمه أن الأطراف الإقليمية تعاني من أزمات داخلية لا تقل عما تعانيه ليبيا وإن اختلفت المعطيات، بهذا فالتنافس الدولي هو المعضلة الرئيسة في المسألة الليبية مع شبه غياب للقوة الأعظم أي الولايات المتحدة، من هذا فإن "فائز السرج" مثلا يظهر على مسرح الحدث كوزير خارجية ناجح يعيش حالة مكوكية يتخذ من طائرته الأرض التي عليها يثبت أقدامه، في حين الطرف الخصم يتخذ من بيانات وسيلة لعرقلة هذه النجاحات الخارجية، وما بيان ثلاثي مجلس الرئاسة "القطراني، المجبري، الأسود" إلا مثالا صارخا عن احتدام المعركة السياسية الناتجة عن موت كل من مجلس النواب ومجلس الرئاسة بعد أن سكتت المدافع.

الواضح أن سيطرة التنافس الدولي على المسألة الليبية هو الدافع إلى المناورات والبيانات

والواضح أن سيطرة التنافس الدولي على المسألة الليبية هو الدافع إلى المناورات والبيانات، وأنه يكرس عجزا سياسيا عند الأطراف الليبية والإقليمية أمام هذا المد الأوروبي والغياب الأمريكي، وللخروج من هكذا عجز ومد عال الموج لابد من مبادرة شجاعة وغير متوقعة، مبادرة من أحد الأطراف الليبيين الخصوم تخرج عن السياق وتضع الطرف الدولي على المحك وتجتذب الدعم الإقليمي وتوحده في مواجهة هذا التدخل الأوروبي السافر والمتنافس والعقيم حتى اللحظة. المسألة الليبية عظم في الحلق الدولي ومنغص للإقليم ومبادرة جريئة ليبية هي وحدها التي تنقذ البلاد وتكف عن "غسان سلامة" الحرج، مبادرة مثلما أن نرى طائرة "خليفة حفتر" يرافقه "عقيلة صالح" و"القطراني، المجبري، الأسود" تنزل في مطار "معتيقة " مُحملة بخارطة الطريق التي تدعم ما سبقها ولا تجبه، ومثل هذه ما يفتح الطريق ويأتي بالطريقة: الجُرأة في المبادرة والسبق من أجل الحل.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : shdl

    9.09.2017 الساعة 08:05

    إذا استثنينا أنصار النظام السابق الذين لن يرضوا إلا بعودة النظام وتعويضهم بالمليارات كما يطالبون الآن ، باستثناء ذلك فأنا اجزم بان الشعب الليبي في الشرق والغرب يريد حلا سريعا لدولة موحدة فيدرالية أو بسيطة . لا أحد فيما اعلم يدعو إلى التقسيم . ربما أصوات شاذة للنكاية وإحراج الطرف ألآخر لاغير . وعلى المدى البعيد سوف يمل الشعب الليبي الصراع كما حدث في لبنان وسوف يلتئمون من جديد . فما يجمع الليبيين اكثر مما يفرقهم ومجرد التفكير بجدية في التقسيم يبعث الفزع في نفوس الجميع شرقا وغربا وجنوبا .

  • بواسطة : خالد المغربي

    7.09.2017 الساعة 23:30

    مغالطات للكاتب حيث كتب "" أي بين سكان الشرق الذين هم خليط من ليبيا وأغلبية أصولها من غرب البلاد تحت زعامة واحدة، فيما كان سكان الغرب أصولهم من ذات المنطقة لكن زعماءهم عدة"" وهذا الخلط يظهر بوجود تركيبة سكانية في " بنغازي ودرنة " اصولها من غرب البلاد وليس اغلبية حتى في هذه المدن اما بقية مدن ومناطق برقى تكاد تخلو من اي ثقل لسكان من غرب البلاد . والقفز على مجهود اهل برقة التاريخي في محاربة الاستعمار والرمي بان الاحتلال البريطاني هو من جاء بالامير ونصبه فهذه فرية مخالفة للتاريخ المشرف للعائلة السنوسية والمجاهدين في برقة وطرابلس وفزان ومصر وتونس وتشاد والجزائر . اما التقسيم فهو بالتاكيد مضر بالجميع والاتحاد على الاسس الحالية وما قبلها ايام العقيد فهو ظلم مجحف حيث تعيش اغلبية نائمة على اموال النفط والغاز التي تصدر من برقة لا من طرابلس. يقول القائل طرابلس تملك نفط وغاز ونقول نعم لتصدير النفط والغاز من هناك لا لياكله اهل طرابلس بل ليستثمروه في ابناءهم فالغد القريب لا يبشر بخير لبياعي النفط والغاز فمن لم يملك علما ضاعت عليه. والكلام لاهل برقة كذالك ..قسمو النفط بينكم او كلا بنفطه وثرواته واشتركو في دولة اتحادية للتنافسو على البناء لا على التخريب وشراء السلاح للتقاتلو فمن يدعوكم للقتال فهو مجرم اي كان .