شكشوكه بالقديد

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

"يستغرب جدا من لم يسمع من قبل كلمة (شكشوكه)؛ ترتسم الدهشة على محياه، وقد تنفرج شفتاه مستغربا من هذه الكلمة المُنغمة. هذا ما يحدث عندما أعرض هذا الطبق على رواد مطعمنا الغرباء، الذين لا يعرفون أنه طبق جيد، ومناسب لكل الوجبات؛ إفطارا كان أو غداء، أو حتى عشاء. أنا، في الواقع أتحمس لدهشتهم، ولا أخفي عليكم متعتي وسعادتي وأنا أصف لهم ألوان الطبق الذي يبدو كأنه لوحة لطبيعة صامتة: بخلفية حمراء مموجة بعروق زعفرانية، وبقع متباينة الخضرة بلون الفلفل هنا، وأفتح قليلا بلون الكزبرة أو البقدونس هناك، فيما تتوزع في الطبق، في غير نسق، أربعة أو خمسة بيضات تبدو بصفارها متباين الدرجات، بعضه الأقرب إلى اللون البرتقالي تحف بها تشكيلات بيضاء، وكأنها زهور ربيعية، وفيما أصف له شكل الطبق.." يضع النادل زجاجة ماء مثلجة.

يستطرد الدكتور شكشوكه صاحب المطعم: "أخبر الزبون عن البهارات التي تعطى الطبق المذاق الطيب والثوم الفواح، فأكون بذلك قد تواصلتُ مع بصره، وحاستي شمه وتذوقه. فتسقط كل دفاعته ويطلب الطبق الذي يعد بسرعة، فهو لا يقدم إلاّ طازجا. إنه طبق (الشكشوكة) الذي جئنا به من طرابلس إلى إسرائيل، فاشتهر مطعمنا به".

صاحب المطعم (مالك بينو غابسو) وهو يهودي ولد في طرابلس وشب على تذوق الطعام الليبي

ويقول كاتب الموضوع: "لم يطل وصفه حتى تمكنت النكهات من جوعي وتخيلت طعم البيض المغمور بدمعة زيت الزيتون، فطلبنا طبقين. يقع المطعم بمبنى عتيق في مدينة يافا القديمة. مزين بحلل نحاسية قديمة معلقة في السقف، وهو ممتلئ طوال اليوم بالمواطنين، وكذلك السياح، الذين يعبرون من أمامه فتجذبهم إليه رائحة الثوم والتوابل والريحان. أما زبائن المطعم الدائمين فهم مغرمون بالأطباق الليبية الأخرى".

صاحب المطعم (مالك بينو غابسو) وهو يهودي ولد في طرابلس، وشب على تذوق الطعام الليبي، هاجرت عائلته إلى إسرائيل منذ 1949. قال: "مأخوذ أنا بالأطباق الطرابلسية التي كانت تعدها والدتي، وكان أصحابنا يشهدون لها بمهارتها، فاقترحتُ عليها مشروع هذا المطعم، ومنها اشتهر في المدينة كلها بالأطباق الليبية التقليدية مثل الكسكسي، والرشده والحرايمي، وأرز سمك الشلبه، و (المرققاز) الحلال، الذي تسمونه النقانق، وطبق الفاصوليا بالكوارع أو بالكرشة، أما طبق الخنافر فلا يطلبه ألاّ زبائن مخصوصون".

عاد الدكتور سريعا، رفقة النادل، بالطبقين الفواحين كانت فقاعات الطهى تخبو عند حواف البيض فتغمرها صلصة الطماطم التي صارت دمعتها زعفرانية اللون. سحب الدكتور أحد الكرسين اللذين يتوسطان المنضدة المغطاة بالمفرش الأبيض الذي، قسمته خطوط سميكة حمراء إلى مربعات. كان قد أحضر معه طبق سعف النخيل، الملون الحواف مملوءا بكسر خبز التنور. قال: "تؤكل الشكشوكة بالخبز كإفطار، ولكن عادة ما أجد نفسي أتناولها مع سلطة جانبية كوجبة مسائية خفيفة. في طرابلس يعدونها باللحم المقدد، وتعلمنا من أمي كيف نعده، وطورنا طبق الشكشوكة، حتى أننا نقدمه بالفطر البري أو القديد لمن يطلبه".

لقد استمتعنا بطبق الشكشوكة، وروح صاحب المطعم المرحة وابتسامته الدافئة وحديثه الشائق وحنينه إلى طرابلس، لدرجة أن زوجتي، اقترحت أن نزورها. مسكينة زوجتي لا علاقة لها بما يدور في العالم.
http://toriavey.com/toris-kitchen/2010/07/summer-2010-travel-blog-shakshuka/
هذا موقع بعثته لي زميلة دراستي، صديقتي الغالية السيدة فوزية مفتاح مخلوف، إحدى أصيلات بنغازي، التي عاصرت مثلي حارات اليهود في طرابلس وبنغازي. لقد اقبست منه رؤية متخيلة ترجمتها بتصرف ولخصتها لكم، لأنني أريد أن أحدثكم عن جلسة قصيرة جمعتنا نحن مجموعة من نشطاء وإعلاميين مقيمين في القاهرة مع السيد غسان سلامة مبعوث الأمم المتحدة الذي يبدو أنه يريد أن يعرف ماذا يجري في ليبيا من الشرائح الليبية المتحابة منها والمتنافرة.

أحد الأساتذة الكرام تحدث بهدوء وبلاغة عن حالة الليبيين النازحين الذين رأى أنهم عظيمو الأنفة والكبرياء وعزة النفس على الرغم من ضيق حالة اليد، وتقطع السبل بهم، فساءت أحوالهم المعيشية للغاية في ظل حكومات متصارعة وقنصليات متعددة، في مصر الشقيقة. كل ما ذكره صديقي المتحدث كان حقيقيا، فالعوز واضح عند الكثير من العائلات الليبية النازحة، وما انفكت تستجدي الصخر أن تفرج حكومة الوفاق على جوازات سفرهم لينطلقوا إلى ذويهم القادرين على إعالتهم داخل وخارج ليبيا.

أحد الأساتذة الكرام تحدث بهدوء وبلاغة عن حالة الليبيين النازحين الذين رأى أنهم عظيمو الأنفة والكبرياء وعزة النفس على الرغم من ضيق حالة اليد

بعد الاجتماع، وفي طريق عودتي إلى بيتي، مررت على ثلاثة مطاعم (شورما)، كلها باسم أبو فلان السوري. وعدد من مطاعم يمنية للأرز المندي بلحم الجدي. وانتبهت إلى أن السوريين واليمنيين يشاركون الليبيين في حالة النزوح التي طالتهم مثل حالتنا، ولكنني أشهد الله أنني لم أقابل يمنيا واحدا يستجدي أو يكذب أو يتسول. كلهم يعملون، وكذلك السوريون. هل لأنهم مازالوا تحت رعاية سفارة واحدة، تُسفّر كل من تسوّل له نفسه أن يسئ لبلده. أم أننا شعب لا تجربة له في الغربة. أم أن مطعما صغيرا للشكشوكه يحتاج إلى رأسمال كبير، أو أنه يحتاج إلى مهنية عالية؟.

مازال أمام عيني المرحوم سعيد بوعشرين في مطعمه الصغير القريب من سوق الحارة، يقدم في الصباح صحون الفاصوليا بالكرشة، وطبق الفول المدمس الذي كتب عنه على بابه: "إن خلص الفول أنا مش مسئول" ومن مِن جيلي نسي طبق "الرز بالكلاوي" والبوريك وكلها أطباق سهلة الإعداد رخيصة التكلفة. ما الذي يمنع إقامة مثل هذه المطاعم الليبية في مصر، وتكون باب رزق إلى أن يفرج الله. الشكشوكه: أربع بيضات، وفصين ثوم ونص بصلة وملعقة فلفل وقليل من الكركم، ملعقتا زيت وحبتا طماطم، وقرن فلفل والقليل من الكزبرة. ويكتب فوق بابه: مطعم الدكتور بوزيد الهلالي، وينهي أزمته، من دون أن يشكو إلى الأمم المتحدة، وهو الذي يعرف: "أن الشكوى لغير الله مذلة".

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات