ليبيا 2010 على حافة الانفجار

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

شكل العام 2010 في مجمله حملة من التراجع على ما تمت الدعوة إليه من إصلاحات هيكلية في الدولة الليبية، منذ بداية الألفية، وما صاحب هذه الدعوات من عودة لقاموس لغوي كان محرما استخدامه في السابق، مثل (ليبيا) الإسم، والدستور، والمجتمع المدني، والديمقراطية التعددية، والاقتصاد الحر، وغيرها من المصطلحات التي تم تداولها رسمياً وسط انقسام في الشارع الليبي وفي صدى النخبة حيالها، غير أن موجة الحرس القديم التي يقف على رأسها رأس السلطة كانت أعتى، وهي في النهاية من وضع ليبيا في مهب رياح الثورات العربية التي هبت من مغاربها ومشارقها، وكانت الأحداث المتواترة العام 2010 تشي بأن ثمة انقساما حادا في الخطابات الحاكمة بين جيل تمترس خلف خرافته وجيل يجهز نفسه لكي يرث الدولة بخرافاتها:

ـ اتضح للرأي العام هزيمة الخطاب الإصلاحي الذي قاده الإبن سيف الإسلام تحت عنوان (ليبيا الغد) حيث توقف الحديث عن الدستور ومنع في اللحظة الأخيرة نشره في واجهتي مشروع ليبيا الغد الإعلاميتين، صحيفتي أويا وقورينا. وكان من المفترض أن ينشر في تلك الأعداد قانون المنابر السياسية وقانون المجتمع المدني الجديد. كما غاب في هذا العام الخطاب السنوي لسيف الإسلام الذي تعود الليبيون انتظاره يوم 20 أغسطس في الأعوام السابقة. وآل الأمر إلى إعادة هيكلة شركة ليبيا الغد وتجريد مؤسسة القذافي من العمل السياسي والحقوقي واقتصارها على العمل الأهلي الخيري، وتوصيل الإغاثات لسكان أفريقيا جنوب الصحراء، وقد أرجع البعض تجريد المؤسسة من نشاطها الحقوقي بعد نشرها تقريرها السنوي الذي تنتقد فيه محكمة أمن الدولة والقوانين الاستثنائية وتدهور مؤسسات المجتمع المدني وانتهاك حرية الإعلام والتعبير وملف مجزرة بوسليم وغيرها من الملفات الحساسة.

- أثارت افتتاحية بصحيفة أويا تدعو إلى عودة الرائد ركن عبدالسلام جلود الذي كان لسنين طويلة تحت الإقامة الجبرية، للساحة الليبية من جديد وللجهاز التنفيذي خصوصا، تجاوبا مع دعوة القذافي لما سماه "الاقتحام النهائي"، ردود فعل كثيرة لدى الشارع ولدى دوائر السلطة، ما سبب أزمة للصحيفة حيث أصدر أمين اللجنة الشعبية العامة، البغدادي، قرارا بوقف الصحيفة لتستمر التداعيات بقفل الكثير من الوسائط الإعلامية لشركة ليبيا الغد، ونقل تبعية صحيفتي، أويا وقورينا، إلى الهيأة العامة للصحافة، واعتقال بعض صحفيي ليبيا بريس وكالة الأنباء التابعة لليبيا الغد أثناء زيارة سيف الإسلام للجزائر مصحوبا بوفد من الحرس القديم المتكون من ثوريين متشددين أعلنوا مرارا مناهضتهم للمشروع الإصلاحي الذي يقوده الإبن.

ـ ظهور تسريبات من موقع ويكيليكس فيما يخص بعض رسائل السفير الأمريكي "جين كيرنز" عن الصراع على وراثة السلطة داخل عائلة القذافي، والذي تحركت على إثره احتجاجات مدبرة تطالب السفير بالرحيل بينما أكد سيف الإسلام في تصريح له على عدم وجود أي صراع بين الأبناء على السلطة.

ـ شهد العام 2010 إطلاق سراح الكثير من قيادات الجماعة الليبية المقاتلة التابعة لتنظيم القاعدة بعد برنامج المراجعات الذي أداره علي الصلابي بإشراف سيف الإسلام، ومن هذه القيادات التي وقعت على كتاب المراجعات: عبدالحكيم بالحاج، سامي الساعدي، خالد الشريف، عبدالحكيم الخويلدي. عبدالوهاب قايد، مصطفى قنيفد، وغيرهم. بينما تلقفت شبكة الانترنت بيانا مجهولا بتشكيل الجماعة الليبية في الخارج.

ـ شهد العام حلحلة الأزمة السويسرية الليبية التي اندلعت جراء اعتقال هانيبال القذافي في سويسرا لأسباب جنائية، وما أعقبها من اعتقال رهينة سويسري (ماكس غولي) ودعوة من القذافي للجماعات الإسلامية إلى الجهاد ضد سويسرا.

ـ رجوع السجين الليبي المدان بتفجير طائرة لوكربي، عبدالباسط المقرحي، بعد الإفراج عنه لأسباب صحية إلى ليبيا وسط تذمر أمريكي ومن أهالي ضحايا التفجير، وهو الرجوع الذي تحول إلى احتفال ليبي بنصر دبلوماسي. وتزامنت هذه العودة مع هروب رئيس جهاز التشريفات، نوري المسماري، إلى فرنسا وإصدار مذكرة اعتقال في حقه، ما أثار ردود فعل محلية وخارجية، ووشى بتصدع في أقرب الحلقات الأمنية للقذافي، وتوجه المسماري بمذكرة إلى القذافي ونجله معتبرا أن المسألة مكيدة شخصية وأنه ذاهب للعلاج في باريس. وفي الفترة نفسها عاد ملف مقتل الشرطية الإنجليزية (إفون فتشر) للواجهة باتهام عبدالقادر البغدادي ومعتوق معتوق بقتلها، بينما أعلنت الخارجية الليبية تعيين السفير السابق المقبول في بريطانيا، محمد بالقاسم الزوي إلى منصب السفير الليبي لدى المملكة المتحدة بديلا للسفير السابق مبارك الشامخ من أجل العمل على احتواء ملف مقتل الشرطية.

ـ استمرت الوقفات كل سبت لأقارب ضحايا سجن بوسليم في مدينة بنغازي، بعد الإبلاغ بالتقسيط عن بعض قتلاها، واستلام البعض للتعويضات، أما القناة الليبية الرسمية فقد بثت شريطا وثائقيا بعنوان "ضحايا الإرهاب بين الذاكرة والوجع" حول رجال الأمن الذين قضوا في حربهم على الجماعات الإرهابية، كما ظهرت رابطة مناهضة لرابطة (أهالي ضحايا بوسليم) سميت رابطة (كي لا ننسى) تهتم بالضحايا من رجال الأمن الذين قتلتهم هذه الجماعات، وتدعو لتظاهر أهاليهم ما أدى مرة إلى اعتداء منسقها، مفتاح البدري، على منسق رابطة أهالي ضحايا بوسليم فتحي تربل أثناء إحدى التظاهرات.

ـ ولعل الأمر الذي لا يخلو من طرافة هو نشر صحيفة الشمس شهر نوفمبر 2010 لإعلان تحت عنوان "حملة ضد انتشار الأسلحة البلاستيكية في الشوارع" حيث برزت ظاهرة استخدام الأطفال لتلك الألعاب في أحيائهم، وبعد أقل من ثلاثة أشهر تمتلئ شوارع الكثير من المدن الليبية بالأسلحة الثقيلة والمتوسطة والخفيفة، والتي يحملها بعض الفتية الذين كانوا يلعبون بالأسلحة البلاستيكية عام 2010.

ـ وفق مؤشر (الأمن والسلامة) الذي يعرف السلام على أنه غياب العنف ويأخذ بالحسبان زيادة الأزمات وتراجع احترام حقوق الإنسان، جاءت ليبيا العام 2010 في المرتبة 46.

بينما أعلنت منظمة الشفافية الدولية تقريرها لعام 2010 ، قائمتها لمؤشرات الفساد في القطاع العام، وجاءت ليبيا واليمن في المرتبة 146 مع مؤشر 2.2 ولا يفصلها إلا نقطة واحدة عن الصومال التي كان مؤشرها 2.2.

هذه بعض الأحداث والمؤشرات التي كانت تظهر التخبط الكبير الذي تعيشه أطراف صراع، بعضها مرئي وبعضها غير مرئي، داخل أروقة السلطة الليبية، وشهد العالم السابق لحراك فبراير انتكاسات حادة فيما يخص ملفات الحقوق وفيما يخص بعض الشعارات التي رفعت طيلة العقد الأول فيما يخص الإصلاح، وزيادة كبيرة في معدل الفساد خصوصا بعد توقيع عقود بعشرات المليارات في السنوات القليلة السابقة لـ 2010 ، وكان القش يتراكم في انتظار شعلة نار وكانت النار نار البوعزيزي التي مازالت مشتعلة حتى الآن دون أن تفرق بين "الأخضر" وبين "اليابس".

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : سامي

    26.08.2017 الساعة 12:22

    شكرا سالم العوكلي ! دائما مثقف ملتزم بقضايا وطنك ورائع وموضوعي في تحليلاتك ! لقد ذكرتنا بأمور رغم قربها الرمني كادت ذاكرتنا المنهكة أن تنساها

  • بواسطة : محمد عبدالله حنيش

    22.08.2017 الساعة 08:16

    ســرد جميـل وباحتـرافية دقيقــة...... أنا شخصيـا استفـدت بالإطلاع ، واستمتعـت بـترتيب التسلسـل في ذكـر هذه الأحداث والمـواقف.