ماذا أكتب؟، ما جدوى ما أكتب؟

أحمد الفيتوري |
أحمد الفيتوري

"لم يعد في إمكان شيء أن يؤذيني بعد الآن". قالت الفنانة النرويجية ليف أولمان في مذكراتها "أتغير".

1-
بدأتُ كتابة مقالة في السياسة والمسألة الليبية بانتظام بمعدل مقالة أسبوعية منذ الأسبوع الثاني لثورة فبراير 2011 ودون انقطاع، نشرتُ في الأيام الأولى بجريدة "الشرق الأوسط"، ثم بجريدتي "ميادين" التي صدر عددها الأول في 1 مايو 2011 كجريدة أسبوعية حتى 23 سبتمبر 2014 حيث توقفت لأسباب أمنية محض، ومنذ أكتوبر 2014 وحتى هذا المقال أنشر مقالتي الأسبوعية بـ"بوابة الوسط" الإلكترونية والورقية، أعيد ويُعاد نشر ما أكتب في مواقع عدة منها موقع "ليبيا المستقبل" الذي أعلن عن أيقافه صاحبه الأستاذ حسن الأمين للأسف الشديد.

بدأتُ كتابة مقالة في السياسة والمسألة الليبية بانتظام بمعدل مقالة أسبوعية منذ الأسبوع الثاني لثورة فبراير 2011 ودون انقطاع

خلال السنوات الماضية حتى الساعة قليلا ما احترت ما أكتب، ولم أفكر في جدوى ما أكتب الذي كنت أواجههُ كأمر مُلح، حتى أني مرة كتبتُ افتتاحية "ميادين" تحت عنوان "إلى الذين لا يقرأون"، فأول ما أعرف أني أكتب وأدعو للقراءة من جوابهُ "لستُ بقارئ"، خاصة من النخبة الليبية، وعلى رأسها المسئولون منهم من هم شبه أميين وجمهور المهتمين بالشأن العام، وثاني ما أعرف أن الثقافة ليست في قائمة الاهتمام بالمرة، وثالثهم أن زمار الحي لا يطرب حتى أن العدو الأول لليبيين وسائل إعلامهم وخاصة الليبيين منهم ، والفاعل الأول ذلكم هم من الإعلاميين سواء مسئولين أو ملاك وبالذات صبيان الإعلام.

على ذلك لم أفكر البتة في جدوى الكتابة، فقد عشتُ وكرستُ نفسي وحياتي للكتابة، كما أني ولدت غصبا ومن أم وأب وفي وطن لم أختر، لكن هذا لم يجعلني بالمرة أنكر الانتماء بل وطدت النفس على أنه خياري وحقي قبل أن يكون واجبي التوكيد على هذا الخيار. من ذا الكتابة واجبي كما أنها حقي، وكما الحياة أذود عنها دون انتظار لأي حصاد، فقط أحيانا كنت أقف مع نفسي أن لا أكون مجدا مخلصا صادقا في الحياة كما الكتابة، وفي هذا كنتُ أقف موقف الذات الحسيبة، لكن هذا شأن خاص يحدث للمرء في مجمل حياته، وبما أنه لم يكن عندي توق للنجاح فإني لم أعد عدم جدوى ما أكتب من الخسران، كان يكفيني أني أفعل ما أريد وبقدر ما أستطع من الحرية.

مناسبة ما كتبتُ أعلاه أني تحيرت هذه المرة حول ما أكتب، ووجدتني خاويا مما اعتدت من المقدرة على الكتابة

2-
مناسبة ما كتبتُ أعلاه أني تحيرت هذه المرة حول ما أكتب، ووجدتني خاويا مما اعتدت من المقدرة على الكتابة، بدا لي أني كمن كان يكتبُ رسائل غرامٍ إلى نفسه، أو كمن يكتبُ رسائل لمجهول ويضعها في زجاجة ثم يرميها إلى البحر، وأنه ملَ أو صابه الكسل من عادة اعتادها لزمن وأن الزمن تغير، أو أني تغيرت بل أني "أتغير" كما وصمت الفنانة النرويجية العظيمة ليف ألمان مذكراتها، الكتاب الذي من أجمل ما طالعت في حياتي.

أتغير كما كنت دائما، وأكتب ذلك وما من حيرة تلبستني فقد عودت نفسي أن أكون دون عادة، وأن الكتابة كما حلب الاكسجين من الهواء فعل دون إرادة غير إرادة الحياة ذاتها.
ما يستحق الكتابة كثير بل أكثر من حياة المرء لكن ما لا يستحق أكثر، وبالنسبة للكاتب كمثلي من لا تفارقه الكتابة أحيانا يغطس فيما لا يستحق دون إرادة، هذا حالي الآن أكتب عن الكتابة في ذاتها وهذا أمر قل أن يفعله الكاتب الحصيف، لكن أبدو كمن وقع في براثن التفكر في الكتابة ذاتها وليس في جدواها الذي هو في المحصلة موضوع بين وله وجاهته الواقعية، الآن فقط تذكرت رولان بارت وحديثه عن "الكتابة في درجة الصفر" هل أني في هذه الدرجة وأني أحاول تعليلها أم أني بين بين ومع "أبي المعري" في حديث "لزوم ما لا يلزم"؟، كل جائز فالحير كما شبكة العنكبوت تبدو واهية ولكنها خير صائد لطرائده.

ما جدوى أن تكتب ما جدوى الكتابة!، عذرا فهذا كما عصف ذهني أو التفكير بصوت عال

3-
كتبت ذات مرة: ما جدوى أن تكتب ما جدوى الكتابة!، عذرا فهذا كما عصف ذهني أو التفكير بصوت عال: ما شابه حالنا في التو والساعة يبدو كما أننا على شفا نقلة نوعية حادة كل ما بدا منها حدتها، وما تبقي أو ما هو قادم يجعل المرء –والكاتب على الخصوص في عالمنا-يتنفس بعمق فما هو ظاهر من جبل الثلج أو من الموجة العاتية يستدعي أكثر من ذلكم، ما زال ثمة الكثير لكن ما مر الأكثر أليس كذلك؟.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات