التجريف الثقافي مؤذن بخراب العمران البشري

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

النظم السياسية الاستبدادية، مهما كانت إنجازاتها المادية ومهما حققت من رخاء عيش للشعب في بعض الفترات، فإنها لا تجر، على المدى الطويل إلا الخراب. فالظلم، بمصطلح ابن خلدون "مؤذن بخراب العمران". وابن خلدون يكاد يقصر الظلم على تدخل السلطان، أي الدولة، كقوة اقتصادية في شؤون التجارة والمبالغة في فرض الجبايات ومصادرة الأملاك والتصرف في عائدات الدولة تصرفا خاصا. يقول: "فإذا كانَ الاعتداء كـثيراًعاماً في جميعِ أبواب المعاش، كان القعود عن الكسب كذلك، لذهابه بالآمال جملة، بدخوله من جميع أبوابها، وإن كان الاعتداء يسيرا، كان الانقباض عن الكسب على نسبته". وإذا دب الكساد، أو الانقباض، في العمران بسبب الظلم غادر البعض هذا الموطن بحثا عن الرزق والقوت في مكان آخر "فخف ساكن القُطْرِ، وخلت دياره، وخربت أمصاره، واختل باختلاله حال الدولة والسلطان؛ لما أنها صورة للعمران، تفسد بفساد مادته ضرورة".

وابن خلدون لم ينتبه إلى أنواع الظلم الأخرى المتعلقة بحرية الفكر والتضييق على المفكرين والمثقفين. ولا يلام على ذلك، لأن فكرة "حقوق الإنسان" والحريات العامة حديثة الظهور.

فعندما ينفرد الحاكم بتقرير مصير الدولة والشعب في المجالات كافة، وهو ما يسمى الحكم الشمولي، فإن مصادرة حقوق الإنسان، وفي مقدمتها حرية الرأي وما يشمله ذلك من محاربة الفنون والثقافة الحرة إجمالا، أو إخضاعها الكامل لرؤية الدولة الدينية أو السياسية، فإن ثروة أخرى يتم إهدارها وتجريفها، هي الثروة الفكرية والثفافية بحيث يتم إفقار واختزال وتسطيح الحياة الثقافية للمجتمع المعني وإدخال مساره المستقبلي في منطقة غامضة مخيفة. يزج ببعض الكتاب والفنانين والمثقفين وأصحاب الرأي في السجون، ويتمكن بعضهم من ترك وطنه واللجوء إلى بلدان أخرى بغية التمكن من ممارسة حريته هناك، ويضطر قسم كبير إلى الصمت، ويلجأ عدد قليل إلى محاولة التلون، إلى هذا الحد أو ذاك، بلون النظام الحاكم درءا لخطر يراه داهما.

وبذلك تتعطل "خلايا المجتمع المنتجة للثقافة" أو، على الأقل، يُحد من قدرتها على الإنتاج الثقافي، فيصبح الوضع الثقافي لهذا المجتمع ضامرا هزيلا ومتعثرا بحيث يعجز عن مواكبة ما يحدث في العالم في هذا المجال، ليس فقط على صعيد الإنتاج، وإنما على صعيد الاستهلاك أيضا، بحيث يمنع عنه تلقي المعارف والعلوم والإنجازات الثقافية المختلفة.

فما من شك في "أن الانغلاق والقمع الفكري قد يؤديان إلى كوارث اجتماعية [...] أو يجعلان الأمة قطيعا مطيعا، لا يفكر ولا يعمل خوفا من الخطأ في الكلام، كالذي يمشي في الظلام، يتوقف خوفا من العثار"*.

* أحمد حلمي عبد السلام خلف. علاقة الأفكار النقدية بالسلطة السياسية حتى القرن الرابع الهجري. الهيئة المصرية العامة للكتاب. القاهرة. 2014 ص 46

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات