ركن العامرية.. سعدُ سعدْ ابن الجيران

فدوى بن عامر |
فدوى بن عامر

في بلاد الغربة البعيدة، كانت زميلة لي، شابة، لمّاحة، ذكية وجميلة، تعلّم الأدب الشيكسبيري الرفيع كهاملت ورميو وجولييت لطلاب الثانوية.

ولعام كامل، كثيرًا ما تحدثنا عن أمور شتى وكثيرًا ما أخبرتني عن رغبتها بالقيام برحلة حول العالم في 365 يوما، إلا أنه مما استرعى انتباهي كان كثرة طلبها مني إعادة ما قلته لها. كانت حينها ترمقني بحرص شديد بعينيها الزرقاوين الواسعتين. في الحقيقة كانت تظهر لي وكأنها تدرس تضاريس وجهي عندما أتحدث معها!.

استمر ذلك الحال إلى أن أزف يوم الوداع، فقد قررتْ الاستقالة بعد أن وفَّرتْ المال اللازم لملاحقة حلمها، وفي آخر يوم لها في العمل أقام المدير كعادته حفل توديع وألقى كلمة كانت من الكلمات المؤثرة جدًا حد أنها أحدثت تغييرا عظيما بداخلي.

حدث كل ذلك في بلد باتت تنتشر فيه ظاهرة الصم والبكم الذين لا يفقهون إلا التزاوج للتكاثر ظنًا أنه حد الغرام

فبعد أن أثنى المديرعلى دورها المتميّز في الأداء الوظيفي ومهنيتها العالية جدًا، قال "وربما لا يعلمُ العديد منكم أن لسارة قدرة فائقة أجزم أن لا أحد من السبعين موظفا هنا يمتلكها. بإمكان سارة يا زملاء معرفة كنه أحاديث كل الجالسين في أي مكان كان وعن بعد مسافات، سواء في مطعم أو صالة مطار أو حتى الشارع، أي هي قادرة على ذلك دون أن تكون جالسة معهم"!.

تفاجأتُ أن سارة كانت صماء تمامًا نتيجة مرض أفقدها القدرة على السمع، وأنها تعتمد قراءة الشفاه للتخاطب والتواصل مع الناس، وهذا ما فسّر لي طريقتها في الحديث معي، ذلك أنني أتحدث لغتها بطلاقة لكن بلكنة غير تلك التي لأهل البلد الأصليين، مما تطلّب منها بذل المزيد من الجهد لفهمي، ولذا كانت تطلب مني تكرار ما أقول حتى يتسنى لها قراءة شفتي مما يتيح لها فرصة أكثر للتواصل السليم معي. كل ذلك ولم أكُن أعلم شيئًا عن الأمر بل كل ما في الموضوع كان مجرد إحساس اعتراني.

كانت سارة تعلّم الطلّاب بحرفية عالية وتتعامل مع محيطها الاجتماعي بصورة طبيعية جدًا، كما أنها كانت وهي المرأة المصابة بعاهة دائمة مستقلة اقتصاديًا وفكريًا، وكانت على وشك بدء حياة جديدة برحلة حول العالم رفقة من اختاره قلبها الشغوف.

لا يخفى على أحد أن لحظّ سارة دورا كبيرا في كل الحكاية، فقد وُلدت وعاشت ومرضت وعُولجت و تعلمت وعملت في بلاد تُوصف بأنها من بلدان العالم الأول، ذلك العالم المتحضر البعيد جدًا عن بلادنا وإن كان قريبًا جدًا جغرافيًا.

أما سعدُ سعدْ ابن الجيران، الرجل الذي يعاني من نفس المشكلة الصحية فلم يكن بمثل حظ سارة. فقد وُلد وعاش ومرض ولم يُعالج كما ينبغي ولم يتعلم ولم يعمل ولم يستقل اقتصاديًا، فما بالك فكريًا، إلا أنه تزوج امرأة بكامل صحتها ومع هذا فقد كانت صماء وبكماء كحال الكثيرين من أبناء البلد، وكانت تنهره بطريقة لم تكن لتجرؤ عليها لو لم يكن سعد زوجها، فقد كانت تصرخ قائلة بابتسامة ماكرة "طيّح سعدك يا سعد" فيبتسم سعد ردًا على مغازلتها الماكرة، كما أنه أنجب منها سبعة أولاد وسبع بنات كلهم لم يشتكوا من شيء أبدًا، ولكنهم كانوا صُمًا وبكمًا.

حدث كل ذلك في بلد باتت تنتشر فيه ظاهرة الصم والبكم الذين لا يفقهون إلا التزاوج للتكاثر ظنًا أنه حد الغرام. ربما كان ذلك لانتمائهم لبلد يُوصف بأنه واحد من بلدان العالم الثالث.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات