مصداقية الرؤية الغربية نحو شعوبنا

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

يصنف المؤرخون وعلماء الاجتماع في الغرب (أو ما يعرف بدول الشمال) مجتمعات أو شعوب بلدان الجنوب تحت مقولة، أو طائفة، المجتمعات أو الشعوب الانقسامية fragmented societies. الأمر الذي يعني أنها مجتمعات أو شعوب منقسمة على نفسها ومتشظية ومتكونة من كيانات قبل وطنية، وهذا يعني افتقارها إلى هوية جامعة ناظمة على مستوى الوطن كله، على غرار ما هو عليه الحال في مجتمعات أو شعوب، أو أوطان، الشمال.

المؤرخون الوطنيون، ولاحقا الذين تبنوا منهم أطروحات تنظيرات تيار ما بعدالاستعمار postcolonialism ومنهجياتها، تصدوا لدحض هذا الطرح واصفين إياه بأنه صادر عن وجهة نظر استعمارية مغرضة نابعة من فكرة "المركزية الأوربية Eurocentrismأو المركزية الغربية Western-centrism" المشحونة برؤية استعلائية، إن لم تكن عنصرية، إزاء ما هو غير أوروبي وغير غربي.

شعوب ومجتمعات المنطقة العربية داخلة، بطبيعة الحال، ضمن هذا التصنيف، والمؤرخون الوطنيون العرب، وخصوصا الذين التحقوا منهم بتيار تنظيرات ودراسات مابعدالاستعمار، بذلوا جهدا علميا مجيدا في دحض الأطروحة المشار إليها أعلاه. الموقف المعارض والرافض لهذه الأطروحة لم يقتصر، بطبيعة الأمر، على المختصين، وإنما ينضوي في موكبه المثقفون الوطنيون كافة.

لسنا من الذين يعتقدون بوجود خصائص ثابتة للشعوب والمجتمعات "تُعطى" مرة وإلى الأبد

إلا أن ما يحدث منذ عدة سنوات في كل من العراق وليبيا وسوريا واليمن يمثل دليلا "دامغا" على صواب ومصداقة وجهة النظر الغربية هذه إزاء هذه المجتمعات والشعوب، ويمثل تقويضا مبرما لدفاعات مثقفينا واختصاصيينا ذوي العلاقة.

يترتب على هذه النقطة، نقطة أخرى مؤداها أن هذه الشعوب، وبسبب انقساميتها، غير مؤهلة لاستيعاب مقتضيات الحياة الديموقراطية، بل هي رافضة لها. وهذا أيضا رأي واضح المصداقية في ما يتعلق بـ "التجربة الديموقراطية" في ليبيا، كأبرز مثال.

لسنا من الذين يعتقدون بوجود خصائص ثابتة للشعوب والمجتمعات "تُعطى" مرة وإلى الأبد. فلكل شعب أو مجتمع ظروفه المعيشية ومساره التاريخي الذي شكل بنيته وثقافته ومزاجه العام. وأن تغيرات هذه البنى والثقافات والأمزجة لا تحدث وتتطور بسرعة، وإنما تحتاج إلى زمن مديد وظروف تاريخية خاصة تعمل كمحفز ومسرع لها. وأحيانا تحدث ظروف تزيد من تعزيز وتثبيت الحالة الانقسامية الرافضة للديموقراطية وتعرقل التطور باتجاه الوحدة الوطنية والتعايش الديموقراطي.

لكن، من جانب آخر، لا مفر، موضوعيا وعلميا، من التسليم حاليا بانقساميتنا وتخلفنا (بل وارتدادنا) عن ثقافة العصر والآفاق المستقبلية المتعلقة بحقوق الإنسان والقيم الديموقراطية.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات