الأراضي المنخفضة.. البرتقاليون..

سعاد سالم |
سعاد سالم

تحولت هولندا ليلة الأربعاء 26 أبريل إلى بازار برتقالي كبير فاليوم التالي هو عيد ميلاد "فيليم ألكسندر أورانيا" ملك هولندا 27 أبريل 1967، اللقب أورانيا ويعني البرتقالي، هو ما منح المنتخب الهولندي وبعض المناسبات الوطنية هذا اللون البهيج، العلم الذي يقع الأحمر أعلى الأبيض والأزرق كان أيضا برتقاليا يوما ما، في هذه البلاد الملك الذي يعد عيد ميلاده مناسبة وطنية تحدد صلاحياته بنود الدستور وتنطبق عليه القوانين كسائر الشعب.

في الحديقة وعلى بعد ست دقائق سيرا، انتصب السوق المعفي من الضرائب ومن تراخيص البيع (عدا بعض القواعد الخاصة بنظام السير والأمان والنظافة) فيما يشابه أيام الملك السعيد في غابر الأزمان التي رأيناها في الكتب، شغل المسرح المنصوب أمام البحيرة الضيقة فرقة مغمورة تعزف أغاني كلاسيكية هولندية، أمريكية وانجليزية، رائحة الطعام مختلطة وحارة في طقس لاسع البرودة وهاهي المطر تنقط.. لم أتناول شيئا رغم إلحاح التوابل ولكن أحببت المقاعد الموزعة في المكان تشاركت واحدا (بنك) مع سيدتيين.. وسريعا ما حل الضجر، تركت الجمهرة الصغيرة ورجعت أدراجي فيما الجاز الذي يستهويني ينتشر في الفضاء عبر مكبرات الصوت، صرت قريبة الآن من شقتي وفيما أقطع المسافة المتبقية، بمن ألتقي؟.

هاللو أشرف، جارتي الإيرانية الهولندية مع زوجها، الحي هنا مكتظ بهولنديين بإثنيات مختلفة إلى جانب سكانها من أصل هولندي، كانت سيارتهما التي توقفت لأمرق، باداراني هيا اصعدي، كنت أنتظر هذا منذ أيام، في رحلة ربيعية على الدراجات معهم بداية أبريل كان الزوجان وعداني بأن نخرج سويا يوم عيد الملك (كوننغس داخ). وكان، إلى بارندريخت القريبة.. السوق بديع فالمعروضات أسرتني إضافة إلى الأسعار الزهيدة التي تميز هذا النهار. الزحام على أشده، المقاهي، المطاعم الساحات الصغيرة وطبعا مدينة الألعاب التي نصبت أيضا بالمناسبة في ركن من الشارع.. 9كم فقط غيرت خارطة الاحتفال.. ربما لأن هذه المنطقة هولندية تماما القليل من أصول أخرى يقطنونها، لهذا البرتقالي هنا أكثر انفعالا وبهجة كما رأيت، لا أعرف إن كان أحد يلعب بهذه الترتيبات أم هي فعلا تلقائية.

ليس سهلا أن تكون هنا وتصف للذي هناك بأنك تَعِس وإلى حد كبير أنت ضائع

قبل عام فقط من الآن، كانت هولندا لاتزال بعيدة.. هولندا الثقافة والناس والمزاج، كنتُ مملؤءة بالتمزقات والخوف الذي يمضي في يومياتي بلا تردد (للمفارقة :حيث لجأت للأمان) فالقوانين واللغة هما أول مايواجه القادمين الجدد لذا يصبح البطء والترقب والحذر مفردات معاشة، ولي فوق ذلك كانت سنوات قليلة مملؤة عن آخرها بالملاحظات والدهشة، ليس سهلا أن تكون هنا وتصف للذي هناك بأنك تَعِس وإلى حد كبير أنت ضائع، لن يصدقوك، ففي البداية الصعبة لن تكون أكثر من ملف، لن ينظر في وجهك أحد بل سيطلب الموظفون تاريخ ميلادك ورقمك الوطني وفي مثل هذا المأزق الشخصي مع الهوية ستبدو مجرد شخص متعالٍ وجاحدٍ، الناس متشابهون في كل مكان من الأرض، ولكن هناك فاصل رفيع يمنعهم من أن يكونوا متماثلين.

السيدة التي حيّت الجميع بمرح في القطار قبل أن تتفقد تذاكرهم اكتفت بمد أصابعها لتلتقط الكرت خاصتي رفعتُ عيني في وجهها تجاوبا مع صوتها الذي كان يفرقع لكنه بدا وجها جامدا لا أثر فيه للفكاهة، استؤنف التبسم بمجرد الالتفات إلى آخرين، وفي بلد يتميز مواطنوها بمزاج مرح و ودود للغاية، يسند السيدة العدوانية التيار المعادي للأجانب والذي زادت شعبيته ولكن ليس للدرجة التي يفوز فيها بالانتخابات، فالتيار الشعبوي يجد ميلا لدى الكثيرين في أوروبا والذين جدد آمالهم فوز (ترومب) كما ينطقه الهولنديون، تماما كما أحبطتهم خسارة فيلدرز، وتظل المسألة في حدودها الضيقة والتي لاتتعدى الانفعالات والأحاسيس فمكتب الشكاوى ضد التمييز العنصري تضع الناس في مواجهة قانونية هم في غنى عنها فضلا عن الالتزام الأخلاقي والانضباط الملحوظ، لكن ربما لمفتشة تذاكر القطار في ذاك الصباح حربها الخاصة حين أزاحت بهجتها رؤيتي، فالغرباء هنا يقاسمونهم كل شيء تقريبا عدأ إسقاط أصواتهم في الصناديق وعدم الاصطفاف في طابور المواطنين في مطار سخيبهول.

تذكرني بحنق الليبيين على المقيمين الأجانب مع حفظ الفارق، فمن عملها الذي لايبدو سهلا غالبا من الثامنة إلى الرابعة دوام الوظائف هنا، يتقاضى الغرباء مثلي مرتباتهم إلى حين العثور على مسار في النظام العام وإن بالعمل التطوعي، ترتيبات صارمة توفر الحياة الكريمة لمسنيها ولكن عليك أن تكون شابا جادا قبلها،67 عاما عمر التقاعد حسب القانون الجديد إنها دورة كدح طويلة تذكرني بالمثل الليبي (خدّم الشيباني لا يموت بصحته) متوسط العمر يقترب من 81 عاما فالرياضة والطعام الصحي ثقافة شعبية فضلا عن الرعاية الصحية الجيدة، ومع هذا وفي ذاك الوقت المبكر من قدومي كان من الصعب اجتياز النهار مع كومة الأعذار هاذي فالتجربة برمتها كانت شوكا أمشي فوقه حافية، وتلك ليست مشكلة المفتشة علي أية حال، كما لم يعد سلوكها مشكلتي، فجارتي الهولندية الثمانينية الجميلة المتأنقة على الدوام والتي تعرفت عليها في فترة لاحقة من نفس العام، التقطت يدي التي مددتُها للمصافحة، تماما مثلما تفعل صديقات جدتي، جذبتها إليها ثم رفعتها وقبلتها.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : عبدالوهاب قرينقو

    6.05.2017 الساعة 14:53

    شكراً سعاد وكانني في رواية لا أتمناها تنتهي