فتيل اللغة

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

العدالة المطلقة، عاصفة الصحراء، عمود السحاب، فجر الأوديسة، عاصفة الحزم، فجر ليبيا، عناقيد الغضب، مخلب النسر، الحرية الدائمة، استعادة الأمل. هذه العبارات الخلابة ليست عناوين دواوين شعر، أو روايات، أو مقطوعات موسيقية، لكنها أسماء حروب وعمليات حربية، تنشر الدمار وتكدس الجثث وتشعل الحرائق، ويبدو أن إطلاق مثل هذه العناوين الشعرية على الحروب محاولة لتسريبها داخل وجدان الناس، أو تحويلها إلى نوع من ملصقات الأفلام السينمائية بشكل يقربها إلى رضا المتفرجين أو صمتهم على الأقل، وفي المجمل هي تعكس حالة التلاعب باللغة كي تصبح خادمة ورعة لتمرير الشرور فوق هذا الكوكب الحالم بالسلام الصعب.

اللغة اختراع حاجة الإنسان إلى التواصل والحوار، الإنسان المحاط بعالم من الصور يبدأ في السعي لتحويل هذه الصور من عينيه إلى أذنه، وهذا التدرج الضروري لآليات التفاهم مع العالم أحال سيل الصور إلى آلية لا تتوقف لإنتاج الكلمات التي تجاوزت الحقل البصري إلى فضاء الشعور والتعبير عن الأشياء غير المرئية، فكان الواقع هو الذي ينتج لغة التفاهم التي لم تنجح، رغم كل التنقيحات والتعديلات وبناء السياقات الدقيقة، في أن تتغلب على سوء الفهم الذي يلاحقها وتحولت بذلك إلى براح للعب والتلاعب، وأداة هامة لتحريف حقائق الواقع كي يتحول إلى حقائق لغوية؛ بمعنى أن الواقع الذي ما انفك ينتج اللغة، سيجد نفسه فيما بعد عجينة من الوقائع والرؤى التي تنتجها اللغة، وبقدر ما حلت الصورة مكان الواقع، بقدر ما استدرجت الكلمات الواقع إلى حقل ألعابها، وعبر هذا المدخل الذي يبدو واسعاً فرضت سلطة الكلام علاقات صادمة بين عديد المفردات، كانت تسعى من خلالها إلى ترويض مفردة عنيفة عبر ربطها في سياق واحد مع مفردة حميمية، ولا حدود لأمثلة من هذا القبيل: الحرب النظيفة، أم القنابل، رصاصة الرحمة أو الموت الرحيم، النيران الصديقة، العنف الناعم، الفوضى الخلاقة، الإرهاب المحمود، وغير ذلك من السياقات التي احتاجها بشدة الخطاب التسويغي لمراحل تتطلب فيها نزعات الهيمنة والقسوة هالةً أخلاقية لا يمكن أن تنتجها إلا اللغة.

وما يعنيني في هذا الصدد سياق لعبي، قديم ومشابه، شكل في ذاكرتنا نواة أخلاقية لفكرة السلطة المطلقة: "الدكتاتور العادل، أو المستبد العادل" ، وإذا كان هذا السياق وجد في ذاكرتنا عبر زعامة تاريخية تمثلت في شخصية عمر بن الخطاب، الذي طالما تحدثت أدبياتنا الإسلامية عن قسوته المحببة، وخشونة حياته الملهمة، واستبداده المزين بقيمة العدل، إلا أن مثل هذا السياق ورد في وصف العديد من أباطرة الروم، والكثير من الزعامات، التي سعت لتبرير طغيانها بذريعة تحقيق العدل.

وفي الحالات جميعها فإن نصف السياق الممكن هو الذي يتحقق، فالحرب تحدث لكن نظافتها مستحيلة، والرصاصة تخترق الجسد لكن الرحمة ليست واردة، والنيران حين تحيل البشر إلى جثث متفحمة لن تكون صديقة، والقنابل التي تفتك بالملايين لا علاقة لها بالأمومة، والفوضى التي تحيل المجتمع إلى غابة لن تكون خلاقة، ونعومة العنف تشبه نعومة قفاز الملاكم التي تملأ الحلبة بالدماء. وبالمنهج نفسه فإن الدكتاتورية تصبح واقعاً ملموساً لكن العدل بعيد المنال، ويظل مخيالاً مجرداً لا نجده إلا في اللغة، وبين مفردة قابلة للتحقق في الواقع ومفردة لا تتحقق إلا في اللغة تنشأ أكثر الألعاب إغراءً وقسوة.

ولأن الديمقراطية اصطلاح أكثر جاذبية، فإنها في سياق القوى التي تمتثل لنزعة الإنسان للسيطرة، تغدو شعاراً تحمله الدبابات والصواريخ في الدول القوية، ولافتة خجولة يمكن التحايل عليها في الدول الضعيفة، حين تقرن حملات الغزو لأمم أخرى بالشعار الخلاب "نشر الديمقراطية". ومع استمرار هذا التداعي لاكتشافات اللغة تتغير المفاهيم، وتنقلب رأساً على عقب في خضم تشويش شامل على المعنى، فيغدو الدفاع عن شجرة الزيتون المطلة على نافذة البيت وعن سرير الأطفال إرهاباً، والاحتلال تحريراً ونشرا لقيم الحرية وحقوق الإنسان، والقتل مشروعاً لحياة محقونة باليوتوبيا حتى الثمالة.

وهو اختلال مفاهيمي خدمه إرث طويل من تسويغ العنف عبر سعيه (اللاحميد) إلى سعادة الإنسان، ومثلما تكبدت الأديان مسؤولية تحويل هذا النهج إلى طقوس إيمانية تجعل من قتل البشر جسرا يفضي مباشرة إلى الجنة، تستأنف الثورات واليوتوبيات عموماً صقل هذه التربية بفتيل من العنف، تبرره غاياتها المثالية المطلقة، وعبر أداء سياسي لا يخلو من الطقسي، وتظل اللغة إحدى أدوات مؤسسات العنف في يد ميديا إعلامية وثقافية تتغنى به، فيكتسب الدم لون الورد، والرصاص لمعان المطر، والقنابل فتنة العنقود، ويغدو الانتحار نوعا من الرومانتيكية، والنار بحميمية الصديق، والجوع طقس كرامة، أما "الإرهاب" الذي يقود العالم بعد الحرب الباردة، يغدو مصطلحا حتى الآن دون معنى، يضع في سلة واحدة من يذودون عن أرضهم وأَسرّة أطفالهم مع جند السماء الذين يعتقدون أن الله كلفهم بقتل البشر دفاعا عنه وجهادا في سبيله، فتظهر علينا تسميات غريبة تدخل الصراع السياسي تحت راية ملكيتها الحصرية لله، مثل حزب الله أو أنصار الله أو جند الله، وهي تسميات خادعة وتأتي في سياق تأجيج اللغة من أجل احتكار الله والحقيقة الواحدة.

وهي عناوين مرعبة تجعل كل من لا ينضوي تحتها عدوا تلقائيا لله وجب قتله دفاعا عن الله، الذي يبدو في هذه الحالة، وبكل عظمته، كائنا ضعيفا يحتاج إلى من ينصره على أعدائه على الأرض، وكل ذلك يأتي في إطار تبرير العنف والغرائز العدوانية وإعطائها شحنة من القداسة عبر اللغة والتلاعب بها.

وفي مواجهة هذا التحريف الشامل للقيم السامية التي كابد من أجلها البشر تقف المنظمات الإنسانية الناجية بضمير أعزل، وتجاه كل هذا التلويث المنهجي لقاموس اللغة يقف الشعر الحقيقي، والنثر الأدبي عموما،ً مرافعين عن فطرة الكلمات ونزاهة السياق، كطفل ينهض باكراً ، يمسح الغبار عن نافذته ويطل على المشهد برمته.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات