من كونفوشيوس إلى تمنهنت

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

قال كونفوشيوس: "إن ما ينشده المرء العظيم موجود في نفسه، أما ما ينشده الإمعة التافه موجود في غيره" ويقول البحاث أن هذا القول السبب الرئيسي في نمو الصين، فلقد صار موروثا ثقافيا. حكم كونفوشيوس(551- 479 ق.م.) مدينة (شونج – تو) ومن بعدها صار وزيرا للعقوبات في حكومة (لو) فبسط الأمن والأمان لدرجة أن المواطنين رفعوه بسببها إلى مرتبة القديسين، واعتبروه نبيهم، وصاروا يتبعون تعاليمه ويطبقونها في حياتهم. ولكن المفسدين وجدوا ثغرة لإفساد الناس فهيئوا لهم سبل اللهو واللذة، فخسرت المدينة استقرارها فما كان من كونفوشيوس إلاّ أن ذهب إلى منفاه الاختياري.

ولو أن قانون (حمورابي) الذي بسط نفوذ بابل في بلاد العراق الحالية قبل ألف عام من مولد كونفوشيوس وصله، وطبقه لقضى على المفسدين لأن هذا القانون ما زال محتفظا بجوهره حتى الآن، فهو بقسوته في تنفيذ العقوبات على من يخرج عن العرف السائد، في أي مجتمع كان، فعال للغاية على الرغم من تحفظات حقوق الإنسان، فهو رادع لكل من يتطاول على الأخلاق العامة. فالقانون مثلا يعدم: "من يهتك عرضا، ومن يخطف طفلا، ومن يقطع طريقا، ومن يسئ استعمال وظيفته ومن يجبن في جبهات القتال".

الحكومات التي تقرأ التاريخ تستفيد من تجارب من سبقوهم، ومعظم الحكام الذين اهتموا بمعرفة التاريخ استفادوا منه، ونجحوا في استقرار بلدانهم، قد يخطئون ولكنهم بالتأكيد سينجحون في نهاية المطاف ذلك إن كانت نواياهم طيبة. القذافي كان مهتما جدا بالتاريخ ولقد وظفه وساعده كثيرا في البقاء حاكما وحيدا لأكثر من أربعين سنة.

ولأنني لست مصلحا ولا واعظا فليس أمامي إلاّ أن أحدثكم عن بعض مآسي تاريخية مرت بشعوب لا تختلف كثيرا عنا منهم من تغلب عليها سريعا ومنهم من مازال يتلظى من نيرانها.

الجزائر مرت بمحنتين، وفاق شهداؤها المليون؛ المحنة الأولى كانت كفاحها من أجل الاستقلال، الذي وجدت له العون من جيرانها ثم الإرهاب الذي قاوموه لحقبة من الزمن وفي الحالتين كان الجيش المنُظم المنتظم وراء نجاحها وتخطيها المحنتين، ويقال أن قادتها كانوا يعرفون التاريخ جيدا.

الثورة الفرنسية التي قامت سن 1789استمرت مشاكلها لأكثر من عشر سنوات وراح ضحيتها ما بين 16000 إلى 40000 مواطن وكثرت ديونها وارتفعت تكاليف الحياه ولم يستقر أمرها إلاّ بانقلاب قام به نابليون سنة 1799وبالطبع ما كان له أن يتم ذلك لولا الجيش الذي أسسه، وكذلك معرفته لتاريخ فرنسا.

وسيمون بوليفار، الذي يقال أنه (دبل شفره) كان قدد حدد من روما حيث يقيم، هدفا هو إنهاء الحكم الإسباني في أمريكا الجنوبية وما كان له أن يحقق ذلك لولا المثابرة والهمة والعزيمة.. ومعرفة التاريخ.

كل النجاحات الثورية ما كانت لتتحقق لولا تأسيس جيش منظم ومنتظم، وفي الغالب لم يتأسس جيش حقيقي من دون شخصية قيادية لأن مثل هذه الشخصية هي ما يحتاجه وضع متأزم جدا مثل وضعنا.

قد يخشى أحد أن تصبح هذه الشخصية ديكتاتورية، حسنا ولم لا؟ إن كانت ستحقق للناس الأمن والأمان والدلاع وحليب الأطفال. ويخرج بهم من هذا النفق المظلم الذي دفعونا فيه، من دون قصد، أو بقصد فالنوايا الطيبة ليست دائما طيبة.

وأنا لا أشك في نوايا بعض من يتولون أمرنا، ولكن كيف نفرز هذا من ذاك؟ وأنا لا أشك مطلقا في نوايا من وصلوا في بلادنا إلى البرلمان مثلا، ومتأكد أن لهم بعد نظر، ومعرفة جيدة بالتاريخ، والقانون والجغرافيا أيضا. فلقد انزعج الناس عندما أعلنوا أن مرتب النائب 16.000 دينار ليبي، وعلى الرغم من تذمر الناس كثيرا، ولافتقارهم، فيما يبدو، لملكة بعد النظر، لم ينتبهوا إلى أن من وضع هذه المرتبات كان يعلم أنها سريعا لن تكلف خزينة البلاد أكثر من 200 دولار، وهو مرتب طباخ في مطعم درجة ثالثة بمالطا (الحنينه). بُعد النظر هو الذي مكنهم من استشراف المستقبل، ولم يفشلوا مثلما فشل ذلك الذي قال لهم: "الخير.. الخير جاي".

الثوار الحقيقيون لهم بعد نظر يستشرف ما قد يحدث بعد خمس سنوات مثلا. إليكم هذه الفقرة التي ترجمناها من الورقة البحثية الألمانية التي صدرت سنة 2013 تحت عنوان "مسارات خاطئة " ونشرناها في هذه الصحيفة، والتي تقول: "ولقد قال رئيس الوزراء عبد الرحيم الكيب في المؤتمر الوطني العام في أغسطس 2012 إن الحكومة والمسؤولين الأمنيين وافقوا على ضرورة وضع حرس الحدود تحت سلطة رئيس الأركان، ولكن سلطة "أعلى درجة" اعترضت على ذلك. -وسياق الموضوع - يشير إلى أن المقصود هو الغرياني. وقد تم وضع حرس الحدود في نهاية المطاف تحت رئاسة الأركان بعد إبعاد المبروك في يناير 2013، مباشرة بعد تعيين خالد الشريف، وهو شخص سابق في الجماعة الإسلامية المقاتلة التي كانت تقيم علاقات جيدة مع المفتي-الغرياني- نائبا لوزير الدفاع. ولقد انتقد الغرياني أيضا المظاهرات ضد وجود كتائب إسلامية في بنغازي. باختصار: يمكن القول أن المفتي العظيم موجود بشكل واضح في الطائفة الإسلامية كافة، وخصوصا في جناحها الثوري".

هذه القوة هي التي كلفها رئيس الوزراء على زيدان، فيما بعد، وبضغوط شديدة لحراسة الحدود وأسماها بالقوة الثالثة وهي التي تحرس حقل الشرارة وقلعة سبها.. والأهم مطار تمنهنت، باختصار شديد السيطرة على حدودنا الجنوبية التي يتدفق منها المهاجرون وبضعة أشياء أخرى، لا أعتقد أنها جيدة. وبالتالي لا ألوم السراج على طلبه بتدخل الغرب حفاظا على تمنهنت، وأيضا مساربها. ولكن هل السراج قرأ التاريخ؟ وأنه من المهتمين بحراسة الحدود الجنوبية من قبل أن ينتخب نائبا في البرلمان؟ أم أن أولئك بعيدي النظر هم من دفعوه لهذا الطلب المشبوه؟. الإجابة بالتأكيد تحتاج إلى بعد نظر.. وقراءة معمقة للتاريخ.. والجغرافيا أيضا.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات