مصراته هي مصراته!

أحمد الفيتوري |
أحمد الفيتوري

-1-
حدثُتُ صديقا من مدينة مصراته وهو شخصية وطنية وابن مؤرخ وسياسي، الصديق المهموم بشأن بلاده، أنصتَ بإمعان للأسئلة والاستفسارات التي طرحتُ: أن الخبر في علم الصحافة يستوجب الإجابة عن خمسة أسئلة وخبر مصراته يطرح أسئلة خمسة، فإن خبرها كما مبتدأ دون خبر، منذ قيام ثورة فبراير 2011 وما يحدث في مصراته هو الخبر، لكن أن نعرف ما يحدث في هذه المدينة المركز في حال ليبيا عقب فبراير فالأمر غير متاح، وإن أتيح فكثيرا ما يبلبل العقول ويربك التحليل.

قاطعني: أنت من تريد أن تغمض عينيك والأمر على عقلك، مصراته حالها حال ليبيا وهي مدينة كأي مدينة من هذه البلاد و..
فقاطعتهُ أيضا: أما أنها إرادتي فلا، لكن لنقل أني غير قادر على الإلمام بما يحدث وأنه قصور فيَّ، أما أنها مدينة كما غيرها فليست كذلك بل أن "مصراته" مركز في الحدث منذ قيام ثورة فبراير وحتى الساعة، وقبل أيضا. ففي ليبيا المعاصرة - كما اللحظة الراهنة- هي مدينة الحدث فعقب غزو الإمبريالية الإيطالية لليبيا مباشرة أضحت "مصراته" عاصمة في غرب البلاد عاصمة المقاومة المسلحة والسياسية، وقد قلب رمضان السويحلي زعيمها آنذاك الموازين فهو قد قبل في البدء بالدولة الإيطالية ثم سرعان ما انقلب عليها، لا أحد مهتم بتاريخ ليبيا لا يعرف أهمية معركة القرضابية مثلا، وبعدها فإن عبد الرحمن عزام في مذكراته يشير إلى أن المدينة كانت عاصمة للقوى المناوئة لإيطاليا، وكانت حليفة للدولة العثمانية أثناء حربها للإيطاليين، وفي الحرب العالمية الأولى كانت ميناء الغواصات الألمانية، إلى أن يقول عزام بالحرف: "كان على نوري باشا -القائد للقوات العثمانية في ليبيا- أن يلتقي رمضان السويحلي للتفاهم معه على عقد الصلح بينه وبين السنوسيين" و...

قاطعني مرة ثانية: أنت تذهب بعيدا، فقلتُ أبحث في الدور التاريخي للمدينة ما هو مستخلص من الجغرافيا، ولهذا فإنه في المملكة الليبية المتحدة وعند تشكيل أول حكومة عقب الاستقلال: 24 ديسمبر 1951م كان رئيس الوزراء محمود المنتصر من مصراته، خرجت مظاهرة حينها ضد الفيدرالية ضد حكومته ضد دولته الاتحادية هذا كان في مصراته، أما عهد الانقلاب العسكري ما امتد لأكثر من أربعة عقود فحدث ولا حرج فإن "مصراته" التي احتضنت "معمر القذافي" كطالب في الثانوية غدت مدينة مشكلا: صنفها البعض مدينة النظام والبعض الآخر المدينة الضد، أذكرك بما حدث عقب المحاولة الانقلابية لعام 1975م ومن قادتها المبرز "عمر المحيشي" عضو مجلس قيادة الثورة من هو أصيل مصراته، من ساهم بثقل في تأسيس معارضة "القذافي" في الخارج.

كمدينة تجارية ومحافظة اعتبرها "الإسلام السياسي" المسلح جبهة متقدمة يمكنه من خلالها أن يُثبت أقدامه على الأرض في البلاد

2-
بدأت ثورة فبراير ضد النظام الفاشي في ليبيا بمدينة "بنغازي" لكن التحاق "مصراته" السريع قلب الموازين لصالح الثورة، وتحولت الثورة الشعبية السلمية على أثر ذلك إلى حرب أعلنها الديكتاتور"القذافي"، مدينة "الزاوية" حوصرت ثم اقتحمت، أما مدينة "الزنتان" في الجبل الغربي فشكلت الشوكة في خاصرة الدولة الفاشية منذها وحتى الآن، لكن "مصراته" في غرب البلاد منذ لحظتها الاستثنائية في فبراير 2011م غدت دولة في الدولة وقادت غرب البلاد منذها وحتى الساعة، فكيف تسنى لـ "مصراته" ذلكم؟.

أولا: أهمية الجغرافيا والتاريخ الذي أشرنا اليه ما أنشأهُ ووطدهُ الجغرافيا، عليه فإن "مصراته" ليست مدينة وحسب بل إقليم، ليست عشائرية اجتماعيا ومنه ثقلها الاقتصادي في البلاد: إقليم التجارة والتجار، بتمفصلها: بوابة الجنوب، آخر مدن الغرب شرقا وأول المدن عند حافة صحراء سرت لمن مخر فيافيها من الشرق: ثالثة المدن، ثالثة الموانيء...

ثانيا: الإقليم الجغرافي والتشكيل الاجتماعي الاقتصادي حرر المدينة من هيمنة العاصمة "طرابلس الغرب" فجعل منها عاصمة بهذا الانزياح عن التبعية للعاصمة، دائما تمردت بهذا ودائما جعلت من أهلها في كل البلاد وكانوا في الطليعة سلبا وإيجابا من شعارهم: مصراته هي مصراته أي أنها هكذا تريد وتفعل في كل الأحوال، ولذا التبس أمرها: الإعلام الغربي يقول عن مصراته قبيلة، وأهل البلاد يرون في أمرها أنها الممثل للجهوية...

ثالثا: المدينة التي كانت حين "فبراير" قوية اقتصاديا تحولت إلى أيقونة الثورة حربيا: "مصراته غراد" في تذكير بمدينة "ليننغراد" التي واجهت الحصار النازي، واعتبرت القاعدة الأمامية في مواجهة النظام فتدفق الدعم من البلاد وخارجها.

رابعا: كمدينة تجارية ومحافظة اعتبرها "الإسلام السياسي" المسلح جبهة متقدمة يمكنه من خلالها أن يُثبت أقدامه على الأرض في البلاد، وأمكن بسهولة وبسرعة-أكثر مما فيها غيرها من مدن ليبيا- خلق تحالف بين التجار و"الأخوان" الجماعة التي من قادتها أصلاء "مصراته"، كانت بمثابة "بازار" طهران فحج إليها الملالي ...

خامسا: بما تقدم تمكن أهل المدينة من الثورة ومن إنجاحها بإسقاط النظام، كفاعل رئيس ساهم في محاصرة "القذافي" في قلعته "باب العزيزية" بعد أن فقد السيطرة على كل شرق البلاد، وهذا مما قوى الشوكة مدينة "الزنتان" التي بدورها جعلت من دولة مصراته في غرب البلاد ممكنة، حين كان "القذافي" قويا وحين دخلت المدينتان في تنافس على "كعكة فبراير".

يتبع...

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : التاجوري

    23.04.2017 الساعة 23:25

    للتاريخ عندما وصل ثوار الجبل الغربي إلى جنزور في طريقهم إلى باب العزيزية لم يصل ثوار مصراته إلى الخمس.. طرابلس افتكها ابنائها الذين هربوا من الطاغية إلى الجبل وهم من حررها مع ثوار الجبل..

  • بواسطة : مسعود كمال سامر ماجد

    22.04.2017 الساعة 01:32

    مصراتة مدينة مؤثرة في تاريخ ليبيا و لكنها دائما في صراع داخلي ولم تجتمع على رأي واحد او شخصية واحدة مند موت رمضان السويحلي و دائما ينتصر فيها الرأي الدي يضح انه خطأ فيما بعد للاسف