ضد الديمقراطية ... لماذا؟

أحمد الفيتوري |
أحمد الفيتوري

عبر الموبايل حدثني صديقي الديبلوماسي والمُستشرق النرويجي عن سروره وهو يبكي بما يحدث في ليبيا من مُفاجأةٍ مُغبطة، كان ذلك يوم 7 /7/ 2012 من ميدان الشهداء بطرابلس وهو يُتابع الانتخابات النزيهة الأولى في تاريخ ليبيا، والتي جاءت مُباغتة وخارج كل التوقعات، فدون دول الربيع العربي يفوز بالانتخابات التيار الوطني الديمقراطي والتيار المدني أجمالا، ولهذا بقدر فرحه في الليل حدثني عن هواجسه ومخاوفه، ووكد أنهم جميعا لن يتركوا البلاد تسير في مفاجأتها والشعب في غيه!

وكان الفائز الأول بهذه الانتخابات محمود جبريل يحذر من التهاون عند النصر الذي يستدعى تكاليف صعبة، ثبت فيما بعد أن أول من لم يضع محاذير النصر في حسبانه الفائز الأول والأغلبية من الليبيين الذين أخذهم الزهو، وفي الانتخابات الثانية ثم الثالثة يفوز بالسبق الفائز الأول ويصعق الجميع من صناديق الاقتراع الليبية التي مخرجاتها خارج السياق والمتوقع والمفترض والمطلوب، ومن هذا وتوابعه كان على الليبيين دفع الثمن غاليا.

كانت الديمقراطية الجني الأول لثورة فبراير هي ما سرعت بجمع رئيس إلى قلب المجن: الذين دعموا الثورة من ساعتها الأولى كان مطلبهم واحدا وقد تحقق: إسقاط النظام، أما ما بعد انتخابات 7/7 فإن الهدف: إسقاط صندوق الاقتراع وقلع سن الديمقراطية من منبتها وفي طفولتها الأولي، نتائج 7. 7. 2012م دقت ناقوس الخطر أما نتائج انتخابات مجلس النواب 25. 6. 2014 م فدقت ناقوس الحرب، وبين التاريخين أقيمت معارك سياسية وحربية من أجل هيمنة الطرف الخاسر على الأوضاع، وهو طرف من حيث المبدأ ضد الديمقراطية في متنه الأيديولوجي وما تبينه أدبياته وممارسته، وذا الطرف رأس حربته التيار الإسلامي المسلح المدعوم دوليا وإقليميا مثلا من تركيا وإسرائيل وايران والسودان الجزائر، وبطبيعة الحال من دول الخليج ورأس حربتها قطر، وحينها من مصر وتونس أيضا، أي أن الكفة كانت ترجح من قبل من هم ضد الديمقراطية ومن يرون أن الثورة حققت هدفها الأول والأخير.

ما بعد الربيع العربي نجح من ضد الديمقراطية في قلب الربيع إلى الربيع الأسود

الفوضى التي عمل أطراف عدة على دعمها وجنيها عقب 7/7 وتوكيدها أفرزت خصما لتيار الإسلامي المسلح أثناء الصراع على السلطة، وأثناء المعركة لدحر المشروع الديمقراطي ما أطل عقب الربيع العربي، هذا الخصم شريك في مبدأ ضد الديمقراطية، ولكنه خصم من أنه يستهدف استرجاع الهيمنة والاستفراد بـ "السلطة والثروة والسلاح"، وهذا التيار هو الذي يدعم المشروع العسكري كمخلص وكخلاص شعاره الأمن لا الحرية، وبذا بدا أن الحلفاء ضد الديمقراطية خصوم في النتيجة.

ما بعد الربيع العربي نجح من ضد الديمقراطية في قلب الربيع إلى الربيع الأسود، وفي ليبيا ما بعد يونيو 2014م هيمن فصيلان متخاصمان على الأرض أحدهما قاعدته مصراته: التيار الإسلامي المسلح وحلفاؤه، والآخر قاعدته بنغازي : التيار العسكري وحلفاؤه، وبينهما مشترك أنهما ضد الديمقراطية كمدنيين أو كعسكريين وكل طرف يلقى الدعم الرئيس من أطراف عدة.

هذا الوضع أعاد ليبيا إلى ما قبل فبراير واستبعد الخصم الرئيس من المعركة وهو القوى التي نجحت بصناديق الاقتراع، وتحقق إفشال المشروع الديمقراطي بحرب أهلية ضروس أكلت الأخضر واليابس وجعلت من مستقبل ليبيا ماضيها: "انقلاب سبتمبر" الذي هو في الحقيقة كما حرب أهلية مسكوت عنها ازدهر حينها الخراب والحروب مع الجيران وفي بقاع عدة.

وبعد جني الليبيين من نجاحهم الخسران تبدد "مجلس النواب" تبدد "المجلس الرئاسي" وأمست القوى التي ضد الديمقراطية شوكةً في الحلق لم يتم بلعها ولا ازدراها ولم تُحقق دعاويها بالأمن حتى الساعة وكل ساعة، الأمن ما لم يتحقق لعقود منصرمة فالسلم الاجتماعي مشروع ديمقراطي ليس إلا.

ومن هذا كل القوى البارزة الحين لا أين لها، أي لا مشروعا سياسيا لها وعليه ليبيا في كف عفريت ومستقبلها يكتنفه الغموض فليبيا لا تمتلك المقومات التونسية أو المصرية، ومن هم ضد الديمقراطية لم ينجحوا لأنه ليس لديهم البديل على الأرض والطموحات لا تكفي عادة لترسيخ الأحلام بل إنها مثل الحال تتحول إلى كوابيس، من هذا فإن حجر الأساس المستبعد أي القوى المدنية والديمقراطية قد تكون القوة الثالثة التي تغير كفة الميزان وإن لم يكن مع الديمقراطية فعلى الأقل ليس ضدها بمعنى أنها تمثل المشروع الليبي الذي يجمع ويستخلص ما عند الجارين، وإن كان ذلك يبدو ظاهريا من المستحيلات لكن ليس ثمة خارطة طريق غير هذا المستحيل، الواقعية في المسألة الليبية صنع المستحيل.

ومن عادة الحروب الأهلية أن تكف من حيث لا يتوقع أحد، خاصة – كما بدأنا مقالنا- أن الليبيين خلال هذا العقد الثاني من الألفية الثالثة أصحاب المفاجأة التي بكل يدٍ مضرجة تُدق.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات