لا دولة من غيره

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

السيد عبد الرزاق العرادي أحد منظري ومفكري الأخوان المسلمين يقول: "ومن المعروف لدى المتابعين للشأن الليبي، ولطبيعة الصراعات فيه، أن حديث الإعلام الموجه، مواليا كان أم معارضا، لا يمكن أن يشكل مرجعية علمية حقيقية للباحث عن حقيقة الأمور، والأحداث والظواهر" وهذا، وحق الله، حق.

ولقد قرأت عددا من كتابات السيد عبد الرازق العرادي، منذ أن تكرر ذكر أسمه في كتب قمت بترجمتها، عن ثورة 17 فبراير وانتبهت إلى قدرته البالغة على تكوينه لجمل تعطيك معنى مزدوجا ولكن ليس بالضرورة سيئا، فمثلا، بعد أن ضيق حزب العدالة والبناء الخناق بتحالفاته لإقرار قانون العزل السياسي، قال السيد العرادي: "المعركة الآن ما بين الذين أسقطوا نظام القذافي وبقايا نظامه" وذلك في الواقع ليس صحيحا، لأن الصراع كان ما بين الذين قالوا أكثر من مرة أن الإسلام دولة مدنية، وهم بالتحديد "الأخوان المسلمون" ولكنهم رفضوا، في الوقت ذاته، قيام تيار مدني. وهذا يعني أن الصراع كان ما بين التيار الإسلامي وبين التيار المدني.

ثم قرأت له مقالا، نشر في موقع ليبيا المستقبل يوم 14 مارس 2017 ، عنوانه: "العودة إلى بنغازي" تضمنت مقدمته قوله "بعيدا عن وجهة نظر الكاتب" قراءة بيان سرايا الدفاع عن بنغازي، الذي لخصته من غير أحكام مسبقة في سبع نقاط،، تتضمن رؤيتها السياسية، وأهدافها". وبالطبع أنا لست بصدد تناول هذه المقالة، فأنا من الكتاب الذين يؤمنون تماما بحرية الرأي.

وتواصلت بلاغته وقدرته الواضحة في انتقاء الكلمات ورصها بحيث أن: "قادة السرايا فضلوا الشرعية على الميول السياسية"، وتسمية البيان بإقليم برقة: "لأنها تسمية مستخدمة على نطاق واسع التأكيد بين أبنائها". متناسيا أن الصحيح "بين (بعض) أبنائها" وأن أسباب تحرك السرايا هو: "تمدد حفتر"؛ لاغيا الوصف الصحيح وهو: مؤسسة عسكرية اعترفت بها دولا عديدة، منبها إلى أن الجيش لا يملك القوة بدون الدعم الجوي، الذي أضاف إليه (الأجنبي) وهو يعلم أنه ليس كذلك، فالذين استشهدوا كانوا ليبيين أعلنت أسماؤهم وعرفها العالم كله.

أبرز ما يلاحظ القاريء هو خلو مقال السيد العرادي من كلمة (جيش) علما بأن (الجيش) هو ما يؤرق تطلعات من يريدون أن يحكموا ليبيا. ليس هناك حزب أو تشكيل ديني أعلن أنه يريد جيشا؛ فهل الإسلام السياسي لا يريد مثل هذه المؤسسة. حكومة الوفاق تتحدث عن حرس رئاسي، وقبلها ظهرت دعوة لتأسيس حرس ثوري، فهل هناك مانع (ديني) مثلا من تأسيس جيش. التاريخ يخبرنا أن السلف الصالح يسمى جنود المسلمين جيشا، فلماذا لا يكون لنا جيش؟

الجيش هو ما يحمي البلاد، والجيش الحقيقي هو الذي يحمي الحكم، ويكون وراء تنفيذ قرارات الدولة، فلماذا لا تكون لنا دولة دينية لها جيش قوي. الجيش لا يتعارض أبدا مع حكم ديني. أمريكا مثلا لها جيش قوي، ونعلم أن الكثير من رؤسائها، بروتستانتيون متشددون منهم مقتنعون تماما بذلك، بضرورة قيام إسرائيل، لأسباب دينية فعودة اليهود إلى إسرائيل أساسها (الصهيونية المسيحية) لأن عودتهم شرط للظهور الثاني للمسيح. جونسون مثلا، قال سنة 1968: "إن أغلبيتكم- إن لم يكن جميعكم- لديه ارتباط بأرض وشعب إسرائيل مثلي تماما، لأن إيماني المسيحي ينبع منكم، إن القصص التوراتية قد نجست ذكريات طفولتي، تماما مثلما أن نضال اليهود المعاصرين للتحرر من الاضطهاد نسج في أعماق أرواحنا". يربط المسيحيون البروتستانت ما بين العهدين القديم والجديد. ولم نسمع يوما أن دولة مسيحية واحدة رفضت أن يكون لها جيش.

فلماذا لا يكون لنا جيش؟ لماذا نريد أن نلغي فكرته من البداية. أليس الأنسب أن نحمي قناعتنا الدينية أو المدنية على حد سواء بجيش قوي، أم هناك شيء غائب عني؟.

تسألني عن الإجابة: أقول إنه على أصحاب الأحزاب والأيديولوجيات الدينية أن يوضحوا قناعاتهم وما يرون أنه الصواب ويدعوا الناس إليه. لماذا لا تقول شخصية مستنيرة معروفة مثل السيد العرادي باعتبار أنه الناطق، مثلما يقدمه الغرب، باسم الإخوان المسلمين، أو حزب العدالة والبناء ويوضح لأبناء شعبه أهداف الجماعة ورؤيتهم لقيام الجيش من عدمه، وما يرونه أساسا للحوار والتفاوض، حول تداول السلطة، وكيف يوفرون للناس ما يعيد لهم أمنهم وراحة بالهم وتعليم أطفالهم وعلاجهم، باختصار شديد يجعل من الليبيين أمة تخاف الله وتعمل على قيام دولة ولاؤها للوطن وليس لأي جهة أخرى، والمنطق يقول أنهم سيتبعونه، ويصيرون جزءا من تكتله ويمكنونه من السلطة. غير ذلك مزيد من الدمار والدماء. وليعلم كل من يشعلون النيران أنه لم تستطع فئة بامتداد التاريخ أن تحكم بالقوة أو بالدهاء أو بتزييف الحقائق وتلميع الكلام والنظر بعين واحدة. وإنما بالحق والإقناع الذي لا يصل العاقل إليه إلاّ بالحوار.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات