زهايمر

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

يبدو أن تهاليل (الزهايمر) بدأت تلوح في أفق حياتي. يقال أنها حالة وراثية، (الحاجه وافية) في أواخر سنوات عمرها أمست تتذكر البعيد من الأحداث ولاتتذكر القريب منها، بينما ظل "سي عقيلة" يؤذن للصلاة في مواعيدها في جامع سيدي محمد بشارع نبوس ويصحح لشباب الشارع المغرمين أغاني العَلمْ القديمة والجديدة أيضا. هذا نص وجدته بين أوراقي. وأعترف أنني لا أعرف متى كتبتُ هذا النص، الذي يلي الفقرة التي استعرتها من رسالته إلى الدكتور مصطفى الفاخري.

إنني أعرف أن الرغبة في الرحيل كانت مشتعلة عند خليفة الفاخري في شبابه، ولكنها خبت بعدما كبر أطفاله، وكبلته الحياة بمسئوليات في وقت صار يعيش فيه، مثلما قال: "على أخطاء الآخرين" فلقد عمل مصححا لغويا لعدد من الصحف والمجلات. وخذلته الأيام حتى أنه قال في رسالة إلى أخيه الدكتور مصطفي الفاخري:
" ...
لقد كسرتني الأيام
لكم هو موحش ذلك الشعور بالوحدة الذي يواصل الصفير إلى حد الصمم.. كم هو موحشُ أن تتعلق حميما بالآخرين ولا يكون في نهاية المطاف إلاّ أنت .. وكم هو موحش أن تتطلع أبدا للعناق ولا يكون ثمة سوى ذراعيك !!
لقد كسرتني الأيام
وامتلأ قلبي بالتجاعيد، وانتابني الوهن وعشعشت عناكب الحزن في صدري، ولم أعد أحلم سوى بموت مريح وهاديء ..
(يقول الفاخرى "ما جدوى الرحيل لمن يحلمون أبداً برحيل آخر". إن الرغبة في الرحيل المكاني والفكري تتجسد بوضوح فى المشهد الحركي المتغير، والمتصاعد فى نصوص الفاخري مثل ورود الليل، والنهار، الكنائس، والمساجد، الأطفال، والشيوخ، الطيور، والأنهار، والمراعي، والسحب، والبحار، والأمطار، محطات القطار، والعملات، وواجهات المحلات.. كل هذه الشواهد هي دلالات على الحركة المتجذرة فى رؤية الفاخري من خلال استحضار الماضي، وتقييم الحاضر، واستشراف المستقبل.)

يبدو أن الرغبة في الرحيل متجذرة في الليبيين كافة، بمعنى أنها من مكوناتهم

فيما يلى محاولة لاستنساخ رسالة خليفة الفاخري إلى والده، والتى أذكرها جيداً لكثرة قراءتي لها، فحاولت هنا أن أصيغها مطابقة، إلى حد ما، مع أصل الرسالة التي ضاعت للأسف مع كثير من مقتنياته الأخرى. حيث يمكن هنا أن أستشهد بنص الرسالة فى تأكيد قناعات الفاخري بأن الوطن ليس مقرونا بمساحة محددة، وإنما الفارق يصنعه الإنسان "فقد يكون المنفى وطنا في بعض الأحيان، وقد يكون العكس".
تقول الرسالة:
والدي العزيز
أنا مسافر إلى الله، لن يحيدني إبليس عن طريق الحق، فنور الله الذي علمتني رؤيته، يغمر عقلي.. ويهدي سبيلي.. فلا تقلق يا أروع الرجال!!
والدي الحبيب
لقد سئمت انتظار الصدقات، وأكل الفتات، والتسكع في شوارع المدينة حافي القدمين تحت المطر تتعقبنى الكلاب، رانياً إلى النوافذ الوارفة الستائر، المضاءة ، والموصدة بإحكام، حالماً بالدفء والأمان.
والدي الخيّر
لقد عفت أن أحيد بصري، وأحجر كلماتي عن مواجهة الضيم، والعسف ،والقهر، والعهر الفكري، كما أبت روحي أن تتقبل مرأى اللصوص، وأشباه الرجال وهم يختالون بخيلاء في أسواق النخاسة، فلا نامت أعين الجبناء!!
ولكن كما يبشر الرب نفسه الفجر آت لا محالة حتى وإن طال الأمد.. إلى أن نلتقي لك سلام غامر، وسلال من الود، وأذرع مشرعة، وشوق للعناق..
صديقك على الدوام/ ابنك خليفة).

يبدو أن الرغبة في الرحيل متجذرة في الليبيين كافة، بمعنى أنها من مكوناتهم. رغبات الرحيل عند معظم شباب البلدان الأخرى سببها بالدرجة الأولى البحث عن ثغرة ينفذون منها نحو تحسين ظروف حياتهم، لدرجة أنهم يغامرون بحياتهم في رحلات جنونية عبر البحار. ولا أعتقد أن الليبيين تدفعهم المسببات نفسها. إلاّ في الفترة التي امتدت من سنة1911 إلى نهاية الحرب العالمية الثانية، فإلى جانب الفقر كان هناك استعمار يثبت وجوده بالترهيب والتلويح بأعواد المشانق.

ولكن الأحوال المادية والمعيشية تحسنت كثيرا من بعد اكتشاف النفط وبدء تصديره، ومع ذلك كانت الرغبة في الرحيل تعكسها أغاني الشباب وهم يصرخون: "ودك غير تمشى دوم جالي .." و "حلال الجلاء منك يا بنغازي ..". والواقع لم يكن هناك سبب حقيقي يدفعهم إلى الرغبة والتطلع والإصرار على الرحيل. البعض كان يرجع هذه الرغبة إلى الظلم ولكن الواقع يقول أنه لم يكن خلال العهد الملكي بتلك المرارة التي تدفع المواطن إلى ترك وطنه والرحيل متلحفا بالغربة والحنين والحزن الدفين.

ولكن الرغبة كانت موجودة وأنا شاهد على ذلك العصر، وازدادت مسبباتها من بعد سبتمبر 69 بسبب إصرار النظام على السحق والمحق والزحف إذ كان يرى أن ذلك ضرورة لقيام المجتمع الجماهيري الحر السعيد.
أنا في الواقع لست بصدد مناقشة هذا الأمر، وإنما أرغب في المرور على مسألة الرغبة في الرحيل، فقد نؤسس منها نقاشا قد يعيننا على أمور كثيرة. فمثلا كثيرون هاجروا الآن، وكثيرين عادوا بعد غربة طويلة، منهم من وجد المجتمع، والحياة التي يريد ومنهم من لم يعجبه الحال وعاد إلى حيث هاجر من قبل واستقر. فما هو سبب ذلك؟.

أعتقد أن ذلك بسبب طبيعة الليبيين التي لا تقبل، في الغالب، الرأي الآخر، على الرغم من اتساع المكان، ووفرة المقدرات وتباعد المدن وتنوع الطبيعة، من جبال وخضرة وصحارى ورمل.. وشطآن بطول 2000 كيلومتر، لا يستغل منها أكثر من 500 كيلومتر!. المكان ليس ضيقا على الإطلاق والطقس بديع. فأين المشكلة؟
لعلني، إن لم يتسلط علىّ الزهايمر، أن أجد سببها ذات يوم .. ذات يوم؟.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : Mailoud Saad

    27.02.2017 الساعة 16:44

    إبان العهد الملكي المشكلة كانت تكمن في الكبت الجنسي عند المراهقين وبعض التقاليد المقيدة لعنفوان الشباب. إبان تسلط الطاغية كما قلت السحق المحق وغيرها من ترهات ذاك المعتوه ام اليوم المشكلة وليدة أطلال امل وطموح خايب للانعتاق من طغيان الأمس. و من افق ينذر بقدوم طبول اللعنة آتية لملقاه الشؤم المرتقب. بوادره عراك ومذبحة كلاب مسعورة على اطراف قصور المزابل لعاصمه سجينة شرك صخب شيطاني يتقيا الخرى ويتفوه بترهات من مؤخرته...(ما سبق سرده قد يكون المشكلة.. وقد يكون هلوسة مسن في اوخر عقده السابع. )