الاحتباس القيمي وعودة القطيع

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

أذكر جيداً ذلك الشغف الذي عشته في ملاحقة تلك الكائنات الشفافة في أماسي الربيع الزاخرة بالروائح والألوان. كنت مولعاً إلى حد مرضي بمطاردة الفراشات، مستجيباً لإغراء اللون وتنوعه، وتلك الرفرفات العذبة التي تنتقل من زهرة إلى زهرة، وكنت أعتقد في قرارة نفسي أن لاشيء يجسد لي غموض الملائكة سوى هذه الكائنات التي ستفسر لي فيما بعد جوهر الشعر والفن.

إن أجنحتها تذوب بين يديك عندما تحاول الإمساك بها، وهو ما يعتري القصيدة نفسها حين نحاول تفسيرها أو القبض عليها، وعندما شاهدت أثناء الدراسة، ولأول مرة، معلم الأحياء يقوم بتشريح فراشة، تقوض الجمال في داخلي، وولجت دون أن أدري جدلية معقدة بين مفهومي العلم والجمال، وتكرس لدي رأي غالب بأن العلم مناقض للجمال أو عدو له، ونتيجة لولعي المبكر بالأدب والشعر، واضطراري، لأسباب بيئية، لدراسة المجال العلمي، كنت أحاول أن أوفق من جديد بين شغفي وتخصصي، فكنت أتحسس مواقع الجمال في الدراسة العلمية، في المعادلات الرياضية وجمال البرهنة عليها، في علم الستاتيستكس الذي تمت ترجمته تعسفا لعلم الإحصاء الذي اقترح نظريات للحظوظ، في نظريات الكم والنسبية، وفي المعادلات الكيميائية ذات الاتساق الأخاذ وفي خيال الفيزياء الجامح، وفي الوقت نفسه أصبحت أطالع ما يعرف بالمناهج العلمية الصارمة لنقد الأدب، بل والذهاب إلى أن النص الأدبي لابد وأن يمر على ورشة تنقله، فضلاً عن الموهبة، إلى ما يمكن أن يسمى بالصناعة الفنية، ومنذ حادثة التشريح المريعة وأنا مسكون بحالة من التوجس من هذا السكوت المتبادل ومن شعرية هذا الاقتباس الذي ما عدت أذكر أين قرأته: "يسكت عالم الحشرات عن جمال الفراشة مثلما يسكت الشاعر عن خمائرها الهاضمة".. كان هذا التداخل الذي بدأته مضطراً يبدو كعزاء أخير لعدم قدرتي على التخصص في مجال شغفي، وهذا الصمت المتبادل بين حقلين، اعتقدت أنهما على طرفي نقيض، كان له دور في بعث أسئلة ما انفكت تلاحقني، خصوصاً أن وتيرة العصر المتسارعة لا تكاد تجيب عن سؤال حتى تحقن الإجابة نفسها بأسئلة أكثر تعقيداً. إن ما كان مجازاً جامحاً أو استعارة حادة في الشعر، يتحول في الخيال العلمي إلى واقعة فجة أو خبر عاجل، أو براءة اختراع.

ومثلما تفتحت نوافذ كبيرة من الجمال في النظريات العلمية، غدا الجمال محل دراسات علمية ومحل اهتمام مختبرات الكيمياء، بل غدا الجمال صناعة من صناعات العصر الخاضعة لمتطلبات السوق النهمة، وما نساء التلفزيون اللائي يخلبن الألباب إلا نتاج للمختبرات التي ما انفكت توظف الكيمياء في صناعة النساء اللائي تخيلهن الشعراء الرومانسيون وهم في ذروة المغالاة. ثمة ما يبهج في ما يحدث، وأيضاً ما يرعب، حين يتقوض هذا الجمال الأنثوي المحبوك بعيداً عن أصابع الكيمياء، أو حين يخلع العلم معطفه الأنيق ويجتاح عالمنا الجميل بمتطلبات الضرورة والمصلحة، ضاربا بسلام الروح عرض الحائط.

يزحف كابوس ترامب ومارين لوبان اللذين ترعرعا في قلب الديمقراطية الغربية وثقافة التسامح والقيم الجمهورية على حلم إنجيلا ميركل

أراجع قصائدي فأجد الكثير من الاستعارات المطعونة في الصميم، والكثير من القيم الجمالية التي انزاحت إلى ما يشبه الكابوس حين تلوثت بفضول العلم ومغامراته التي لا تعرف حدوداً.

التلوث الذي يطال الطبيعة الآن يسحب من تاريخ الرومانسية فتنته، ويطال مجازات الشعر العظيمة ومصادر إلهامه، مؤشر آخر لانقلاب المفاهيم، وتراجع ثيمات الجمال الأصيلة أمام جبروت التقنية العمياء وهوس الاستهلاك دون حدود، وأمام مغامرات اللعب الجيني الخطر. صار المطر أسودَ، واسطوانات الموسيقى حاملة للفيروسات الفتاكة، وطرود هدايا الأعياد مفخخة، بل طال التلوث شعرية الإرث الرومانسي والجمالي الذي حملته الطيور على مر الزمن، فاكتظ الشعر باستعاراتها والأغاني بتغريدها واللوحات الفنية بصورها، ككائنات ملهمة شفافة، معادل للحرية والجمال. الطيور التي عبرها تبث لواعج العشاق، وترسل أشواقهم فوق أجنحتها التي طالما تحول خفقها على قضبان الزنازين إلى حلم بالحرية والانطلاق، تصبح كائنات مرعبة حاملة للإنفلونزا القاتلة، وتغدو أسراب الطيور المهاجرة التي كم انتظرناها في الأماسي الحميمة كمصدر للإلهام ، تغدو رسلاً للموت المهاجر عبر أصقاع الأرض، مفضية إلى دلالات جديدة تجعلنا نعيد النظر في القصائد والأغاني الزاخرة بأسماء الطيور.

القيم المعنوية الجمالية التي دفع من أجلها الإنسان جسورا من الجماجم المتراكمة على ضاف الطرق المفضية إليها، تتلوث هي أيضا بهذه الرغبة المحمومة لدى القوة بالهيمنة، وبالعودة إلى حظيرة القطيع البشري الناشد أمانه داخل سياج يحميه من الوحوش البرية، أو ما تسميه أدبيات تلك القوى بالبربرية، واصفة كل الذي خارج السياج بالتخلف، وكأن التخلف جينة عرقية أو عقيدة أو لون بشرة. القيمة التي يفخر بها الإنسان الحديث المتمثلة في الديمقراطية تتلوث في هذا العصر حين تصبح آلة براقة لتفريخ العنصرية من جديد، وحين تكون حفلة الانتخابات الباذخة المنقولة على الهواء مباشرة للكون برمته احتفالاً كونياً بعودة كابوس النازية المتنكرة فيما يسمى باليمين الذي يغلف رغبته المهووسة بالتطهير العرقي بورق الوطنية البراق، تتلوث الديمقراطية بهذا المكبوت الشعبوي الذي بدأت تراوده أضغاث الكراهية ورهاب الآخر المتحدر من جينات القطيع البشري الطاعنة في القدم، والمتوعدة باحتباس قيمي أكثر فزعاً من كوابيس الاحتباس الحراري.

في عصر ثورة المعلومات ووسائل الاتصال والمواصلات الوثيرة والسريعة، حيث وُعِد الإنسان بمستقبل القرية الكونية وبمفهوم المواطنة العالمية، ترتفع الجدران والأسلاك الشائكة من جديد على حدود أعتى الدول ديمقراطيةً وتعددا وتغنياً بالتسامح، بل أصبح على الوحوش البرية خارج هذا الجدار أن تدفع هي نفسها تكاليف بناء الجدار الحامي لهذا القطيع المتحضر.

يزحف كابوس ترامب ومارين لوبان اللذين ترعرعا في قلب الديمقراطية الغربية وثقافة التسامح والقيم الجمهورية على حلم إنجيلا ميركل التي ترعرعت في ظل ما وصفته أدبيات الغرب الليبرالي بالحكم الشمولي في برلين الشرقية.

ثمة ما يرعب في هذا العالم الذي نتفرج ــ مثل الكائنات الدقيقة العالقة بالعشب ــ على صراع الفيلة فيه، وثمة ما يبهج في هذه المغامرة الإنسانية، حين نرى الحشود تتظاهر أمام مطارات أمريكا المغلقة على الأجنبي، وهي توظف هذه الطاقة الهائلة، والقابعة خلف عينيها، لكل ما يعزز الجمال والرفاه دون أن تتنازل عن حقها الطبيعي في المغامرة، ودون أن تتنازل عن إيمانها الصلب بأن الجمال وحده ما سينقذ العالم.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات