حدود النقد عند غياب الحرية الفكرية

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

النقاشات والمراجعات الفكرية مهمة جدا، بالطبع. وهي دليل حيوية وثراء تتمتع به الحركة الثقافية الجارية في إطارها هذه النقاشات والمراجعات وتعمل كمنشط لها، كما أنها دليل على نشاط وتوقد العقول الداخلة في النقاش وجديتها.

على أنه لكل حركة ثقافية ظروفها الخاصة المتعلقة بمدى الحرية الفكرية المتاح فيها ولها، ومن نافلة القول أن مساحة الحرية في حركتنا الثقافية في الوطن العربي، بغض النظر عن العالم الإسلامي، تضيق وتنكمش يوميا. ففي البداية كانت الأنظمة السياسية هي القامعة والمحددة لمجال الحرية الفكرية، لكن في حوالي العقود الثلاثة الأخيرة تنامى توجه اجتماعي تقوده تيارات دينية متشددة ومتطرفة تضيق بالحرية الفكرية وتُضيِّق الخناق عليها، بل وتقتلها من خلال مصادرة الكتب ومقاضاة الكتاب وتصفيتهم جسديا. أي أنها افتكت اختصاصات الدولة القمعية والاستبدادية وغالت فيها وتغولت على حرية الفكر.

وفي هذه الظروف على الكتاب الذين يتعرضون لمراجعة ونقد أعمال غيرهم مراعاة الحذر الشديد كي لا يكونوا "مخلب قط" ضد الكتاب محل النقد ويتحولوا إلى وشاة ومحرضين موضوعيين ضدهم ويشاركوا، بذلك، في محاربة الحرية الفكرية.

ومن الأمثلة على القراءات غير الحذرة ما كتبه د. بنسالم حميش عن محمد أركون في مقالته المعنونة "محمد أركون بين الاختزال والافتراء"*. بالطبع من حق أي أحد أن يعجب أو لا يعجب بأي مفكر. ومن حق أي كاتب أن يختلف مع أي مفكر جزئيا، أو جملة وتفصيلا، ويوضح ذلك في قراءة معرفية ناقدة.

لكننا في الحالة التي بين أيدينا يهيئنا د. بنسالم، منذ العنوان، لتلقي شحنات من القدح في محمد أركون ونتاجه الفكري. ومن البداية يتضمن العنوان وصم أركون بنقيصة منهجية (الاختزال) وعيب أخلاقي (الافتراء). وفي مفتتح المقال يصمه بالادعاء، إذ يقول: "يمكن التسليم بأن محمد أركون كان السباق إلى فتح ما يسميه ورش (الإسلامولوجيا التطبيقية)، معارضا الاستشراق التقليدي الذي يدين له بالكثير في تكوينه، خلافا لما يزعمه" (ص259 ). ويقول أيضا أنه "يدعو إلى تسخير ترسانة من المناهج التي لا نعتقد أنه يلم بها حقا" (ص259)، وإن كان يبرر اعتقاده أو شكه هذا بالإشارة إلى "شساعة مجالاتها [ترسانة المناهج] ومناحيها المعقدة والشائكة" (ص259).

الأرجح أن د. بنسالم يعد هذا افتراء وينكر على أركون ليس اعتقاده فقط، وإنما ينكر عليه حرية الاعتقاد أيضا

ويضيف أن إشكال هذه المناهج "يلوح سلبا ما إن نقف على غايات الداعي [يقصد أركون طبعا] المتأرجحة بين الكمون والظهور" (ص259)، وفي الوقت الذي ينسب فيه الادعاء إلى أركون ينسب إلى نفسه، بشكل واضح، وإن لم يكن صريحا، عمق المعرفة، إذ يقرر أن هذه الغايات "لاتخفى على العارف بالموضوع المدروس والمحتك بآليات التحليل ومناهجه وبتاريخ المعطيات والنصوص" (ص259). ويصفه أنه يطلق أحكاما على أعمال من دون اطلاع عليها (ص261). ويقول عنه أنه لم "يبرهن على أنه استوعب فكره [يقصد أبا حيان التوحيدي] حقا في كليته" (ص264).

فيما يتعلق بمعالجات أركون لبعض القضايا يأخذ د. بنسالم عليه إخضاع النص القرآني للمنهج التفكيكي الذي يعامل القرآن كحدث أو واقعة تاريخية، خلافا لما درج عليه المفسرون قديما وحديثا من محايثة الوحي للنص القرآني، وبالتالي اعتبار الإعجاز والإنباء عن الغيب (ص260). الأرجح أن د. بنسالم يعد هذا افتراء وينكر على أركون ليس اعتقاده فقط، وإنما ينكر عليه حرية الاعتقاد أيضا. ثم إن مسألة القول بتاريخية القرآن لا تتناقض، ضرورة، مع الاعتراف بالوحي. فالقرآن نص تاريخي بامتياز. فلقد جاء في فترة تاريخية محددة ورقعة جغرافية محصورة ولبشر مخصوصين وتعامل مع شؤونهم وحياتهم اليومية وعلائقهم وعالج وقائع بعينها.

ومن هنا أهمية مبحث كبير في الدراسات القرآنية هو مبحث "أسباب النزول"، ما يعني أن ثمة واقعة تاريخية تحدث فينزل النص القرآني موضحا الرأي الإلهي بشأنها. "عبس وتولى أن جاءه الأعمى...".... "إن الذين ينادونك من وراء الحجرات..."... "يسألونك عن الأنفال..."..."قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها". بل إن القرآن يذكر أسماء مواقع جغرافية بذاتها مرتبطة بحوادث محددة: "ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم..."..."ولقد نصركم الله ببدر..." وذكر اسم شخصين محددين كانا حيين وموجودين عند ورود الآيتين اللتين تخصانهما: "فلما قضى زيد منهاوطرا..."... "تبت يدا أبي لهب...".

ففي هذه الأمثلة، والكم الهائل من الأمثلة المشابهة، تحدث الواقعة التاريخية أولا، في زمان ومكان محددين ومن قبل أشخاص بأعيانهم، ثم يأتي النص القرآني المتعلق بها. الحادثة هنا هي التي استدعت النص وحددت محتواه، ويأتي النص ليضبط أو يعدل أو يوجه، أو يعيد صياغة أو يوقف، مسار الواقع. ثم ما دلالة نزول القرآن منجما (متفرقا) على مدى حوالي 23 سنة مواكبا تشكل المجتمع الإسلامي، وما دلالة التدرج في تحريم الخمر،إن لم تكن دلالة على تاريخية القرآن؟. وإذن فينبغي أن نلغي من مخاوفنا ما تمكن تسميته "فوبيا تاريخية القرآن".

ود. بنسالم يعترف بهذه التاريخية ضمنا في مكان آخر من مقاله هذا حين يأخذ على أركون "اعتبار سورة التوبة وآيتها الخامسة خاصة متضمنة بذور العنف الإسلامي عموما، ولا يأبه حقا لأسباب نزولها ولا للسياقات القاهرة التي رافقتها" (ص262). فهنا يعترف د. بنسالم بتأثير الشرط التاريخي على محتوى النص القرآني وبوجوب تفسيره ضمن هذا سياق الشروط التاريخية وليس بالمعنى اللغوي العام الذي تتبناه، بالمناسبة، التيارات الإسلامية المتشددة والمتطرفة والتي يبدو أن أركون يقصدها.

وفي مكان آخر يتهمه بأنه "يستعمل ترسانة من المفاهيم والمناهج (يمكن تسميتها أركونيات ((arkounoides تروم في آخر التحليل تقويض أساسيات الإسلام دينا وثقافة" (ص266-267). من هنا نلاحظ أن مقالة د. حميش تكفر ضمنا محمد أركون، وبالتالي فهي تعتبر تحريضا ضد كتبه (بما أن أركون متوفى) ودعوة لمحاصرتها ومنعها في المنطقة العربية وتهديدا لمن يقتنيها.

* في: د. بنسالم حميش، في الإسلام الثقافي، الدار المصرية اللبنانية. ، القاهرة، 2016. الصفحات:( 259-268). والصفحات الواردة في المتن تحيل إلى هذه الطبعة.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات