ركن العامرية.. إفشاء السلام

فدوى بن عامر |
فدوى بن عامر

قد عزمتُ بأن يكتسح التفاؤل مقالتي الأولى لهذا العام رغم ما ضجّ به رأسي من توبيخ، وذلك لصعوبة التدليل بالشواهد ولكنني سأحاول تجاهله لبعض الوقت، على الأقل ريثما أنتهي من كتابة هذه الثرثرات.

في الحقيقة ما بات يجمعنا نحن الليبيين، إلى جانب الجرد الليبي والتكليلة، هو الألم الشديد وبعض الأمل البسيط والحديث عن الوطن، فحاله هذا لن يستمر إلى يوم القيامة، فلابد أن يتطرق الملل من الموت للموتى وأن يطرق شحّ الأموال الأبواب ولا مناص حينها من لملمة الأحوال.

ورجوعًا إلى أصل الحكاية، أظن أن ما قام شعب بحركة تغيير في مجتمع ما إلا مدفوعًا برغبة البحث عن السعادة، تلك التي لا تكون عبر قوافل الموت وفوق أجساد الأحياء المخضبين بالموت بل بالسعي لإقامة نعيم دنيوي لكل الناس. ولا يكون ذلك ممكنًا إلا بإفشاء السلام الفعلي لا اللفظي الذي نسمعه كل دقيقة، فما معنى أن ينطق اللسان "السلام عليكم" ولا نرى لذلك أثرا في القلب أو العقل فلا يشهد فعل اليد إلا على كل ما هو بعيد عن قول اللسان.!

ما حدث قد حدث وها نحن الْيَوْم وفي سعينا للسعادة التي انتهت بالتعاسة للجميع حتى على من ظن الاستفادة المادية أو المعنوية، بحاجة لوقفة للنظر وراءنا كي نقدر على التطلع أمامنا. يوم النشور، هناك السعادة الأبدية عند رب لا يُظلَم عنده أحد وهي ليست الهدف الجماعي لبناة أي دولة ولا يمكن أن تكون لأنها طموح شخصي يعمل عليه كل إنسان لنفسه منفردًا. وأزعم أن هدفنا كشعب ليبي واحد هو بتحقيق السعادة الأرضيّة عبر وطن آمن لا يعمّه الجحيم، تارة لتعصب ديني صوري وأخرى لتعصب اجتماعي بدائي جدًا. فقد أدت هذه الأنواع من التعصبات المبنية على منطق عاطفي طفولي منصب على المصلحة الشخصية، إلى قرارات وأفعال سياسية مراهقة للغاية.

الخلاصة أننا طالما نحن في مستوى أدنى على السلم الحضاري الإنساني فإننا لا نستطيع التعامل بالعقل

أما ما نراه الْيَوْمَ، بحسب ما أرى، فهو نتيجة امتلاك أفراد قدرات ذهنية متواضعة جدًا، مكنتهم الأقدار الحزينة على حيازة جموع بشرية كونوا بها مجتمعات مسلحة صغيرة، تتمتع بإرادة شرهة نجم عنها تدمير الوطن وأنفسهم من قبل ولا أدري إن كان ذلك قد تم عن وعي منهم وإدراك أم لا. اللافت أن ماكان لأحد منهم أن يقوم بما يقوم به لو كان كما كان في الأيام الغابرة، أي فردًا منفردًا لأنه لم يكن يومًا متفرّدًا في شيء.!

بالإضافة فإن هذه التجمعات التخريبية الصغيرة ما كان لها أن تقوم لولا الفعل السياسي المراهق، بعد تغلغل الوهم على العقل حد أنه ألغى كل تأثير له على الأفعال. وكل ذلك ما كان سيدوم طيلة هذه الأعوام لولا زخات كبيرة من الأموال وجرعات مستمرة من ضخ الكراهية عبر وسائل الإعلام والتقاطع الاجتماعي والتي باتت مكبًا للأحقاد ومرتعًا للأكاذيب وصلافة الوجه واللسان.

وفي ظل هذا المشهد المربك والمرتبك في بلادنا، ربما لن تجدي نفعًا المطالبة بالتعقل لتصحيح الأوضاع فالأرضية الضرورية لذلك قد أُحرِقت فكيف لها أن تُحرث. ولأننا شعب طفولي وشبابي بكل ما تعنيه الكلمات وهذه في الحقيقة ميزة عظيمة لأن ذلك يجعلنا أكثر قابلية للتكيف مع التغيير، فقد يكون من الصواب مواجهة هذا المد العاطفي المحموم بأخرمساوٍ له في المقدار مضاد له في المضمون. أعني خلق تعصب عاطفي خيّر يكون عاصفًا تنضوي تحته كل أنواع التعصبات الأخرى نطلق عليه اسم التعصب للسلام. إنه تعصب يهدف لإفشاء السلام على كل الليبيين بلا استثناء.

لعلّها أمنيتي للعام الجديد والتي أرجو أن تتحقق ببزوغ طبقة من الليبيين الفاعلين لا يحركهم إلا التعصب للسلام لجميع الليبيين من خلال الشاشات المرئية والزرقاء والصفحات المقرءة والمنصات الدينية والثقافية والفنيّة لما لها من تأثير على عواطف الناس ولا اعتراض- لاستحالة توقع غير ذلك في الوقت الراهن- من امتلاك هذه المجموعة الفاعلة لتعصبات دينية أو اجتماعية شريطة أن يكون التعصُّب للسلام تعصّبًا حقيقًا غالبًا في النفوس ذلك أنه ما عاد أمامنا سوى الانتصار لنا جميعًا وإما الخسارة للجميع.

الخلاصة أننا طالما نحن في مستوى أدنى على السلم الحضاري الإنساني فإننا لا نستطيع التعامل بالعقل، إذًا ربما نحن بحاجة ماسة لمواجهة عاطفة مدمرة بأخرى بناءة. ويبقى السؤال مُشْرَعًا، من أين لنا بمجموعة من الليبيين الصادقين والقادرين على هذا النًوع من التعصُّب وفرض الخطوة الأولى نحو ثقافة إفشاء السلام وصد أنواع الموت.! ولا أدري إن كان هذا تفاؤلًا موضوعيًّا أم لا.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات