حراس الخم

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

انقلبت قعدتنا الثقافية المسلية إلى نقاش احتد ما بين صديقين. قال أحدهم للآخر: " أعتقد أنك لست مؤهلا لنقد هذه الرواية، فأنت لم تؤلف كتابا واحدا في حياتك...." فقاطعه على الفور: " هذا هراء أنا لم أطرح بيضة واحدة طوال حياتي، ولكنني أستطيع أن أقول رأيي في البيض المقلي أكثر مما يستطيع دجاج الدنيا كله..".

لا أخفى إعجابي ببلاغة الرد، الذي جعل وجه صديقنا المحتد يتغضن، ثم يرفع رجلا فوق أخرى، لاويا رقبته الناحية الأخرى، فنظرت إليه وقلت له مُداعبا: "أهمد.. (راك أدحى) نهض غاضبا وقال: "عندكم حق.. أنا الذي وضعت نفسي في النخالة" وهكذا أصبحت جلستنا وكأنها في خم دجاج لا ينقصها سوى ديك.

في طريق عودتي تأملت قول صديقي: "ليس بالضرورة أن تؤلف كتابا لتنقد آخر.. وليس بالضرورة أن تتعمق في قراءة المشهد الأرجنتيني لتعرف ما يدور في (الفعكات) وليس بالضرورة أن تفني نهارك وليلك في تتبع خفايا السياسية الدولية لتصبح مُحللا سياسيا. لقد سهل الخبراء المهنة، جعلوها تخصصا: جعلوا فلانا خبيرا في الشأن الاقتصادي الدولي أو العربي. وذاك مُحللا لما يدور في أفغانستان وآخر لما يدور في باب بحر أو قنفودة.

إن قراءات المتابع وفهمه في أي شأن هي فقط التي تؤهله لتحليل الروابط المتنوعة ما بين تخصصه وما يدور في العالم، وهي التي تفتح أمامه أفاق معرفة ما يدور حوله.

سنة 1973 كتب وزير خارجية أمريكيا آنذاك هنري كيسنجر الكثير من الأبحاث والدراسات وقدم إلى حكومته نصائح وأراء هي في تقديري تتوافق تماما مع السياسة التي حددتها أمريكا يوم تحريرها، وهي التي أعلنها صراحة إبراهام لينكولن عام 1865 وتقول باختصار شديد: " إن سياسة أمريكا الخارجية تتوسع بحسب توسع وحاجة مصالحها في الخارج ". وزير خارجية أمريكا هنري كيسنجر قال، ببساطة وصراحة، عقب حرب النفط سنة 1973: " ستنتهي أموال العالم في خزائن العرب. جدوا طريقا لإنفاقها ". وهذا ما يحدث في بلاد العرب منذ ذلك التاريخ.

نكاد لا نسمع اسم دولة عربية بنشرة أخبار من دون إشارة إلى مروره بأزمة مالية خانقة ويصعب حلها والتغلب عليها، وكأن صناع هذه الأزمات لا يعرفون كيف جمدت أموالها، وكيف نهبت وهربت أخرى، بل كثيرا ما مهدوا للصوص العالم العربي لسرقتها وتهريبها لأنهم يعرفون أنها ستنتهي عاجلا أم آجلا على موائد القمار في الفنادق الفخمة، أما إن غسلت فسوف تتبخر ولن يصل منها إلى سارقيها سوى الفتات والقشور، أما الباقي فسينتهي في خزائنهم.

من يستطيع أن يقنعني أن من مجلس الأمن، لا يعرف أن السلاح لم يتوقف تدفقه إلى ليبيا منذ شهر مارس 2011م، ثم هل سيارات التويوتا رباعية الدفع تتناسل وتتكاثر ونحن لا ندري؟ هل من تفسير مقنع أكثر من أن مهمة الحظر هو إيصال المحظور بسعر أعلى ومن دون نقاش، بل ومن دون فرض عمولات أكثر مما يحددونه هم؟ هل تعجز أمريكا أو الاتحاد الأوربي عن منع وصول السلاح إلى أية بقعة في ليبيا مثلا؟ هل هم في حاجه إلى كوبلر أو غيره لتذليل صعاب التوافق، الذي لا يمكن أن يحقق لهم أكثر مما يتحقق الآن؟

لقد تحقق لهم كل ما يريدون من دون أن يُعلنوا- رسميا- حربا ولا يدفعوا بجيوشهم وينفقوا عليها من أموالهم. نحن صنعنا الحرب ونحن وقودها ونحن نعيد ما دفعوه لنا مقابل وقودنا وموادنا الخام، فلقد خلقوا لنا من أهلنا أعداء، تولوا نيابة عنهم كل ما يريدون.

التنظيمات الإرهابية بمختلف مسمياتها ليست منتوجا "وطنيا" لا في سوريا ولا في اليمن ولا في العراق ولا في ليبيا والله أعلم أين سيتبرعم المنتج التالي؟ وسوف نرى، فيما بعد، في وثائقهم السرية أسماء الذين وظفوهم بأموالنا لسرقتنا وإيداع ما سرقوه في مصارفهم التي ستجمدها ويسيلونها متى يشاءون؟

لقد آمنت بنظرية المؤامرة بل وبدأت أنتبه أنني جزء بليدا منها. والأمر لا يحتاج إلى جُهد للتأكد من ذلك، بلادنا تقترب من الإفلاس وهي تنهار على نحو ما، وبدل الحكومة لدينا ثلاث ولم تتفق أي منها على مكان كمقر لها، وبدل البرلمان لدينا اثنان؟ ولم تعد أية مدينة ترغب في استضافة كذب ونفاق من يدعون الوفاق. والأدهى والأمر أنهم يدفعون المعاتيه لتأسيس كيان عسكري ثان يوازى جيشا قائما من دون أن ينتبهوا إلى مغبة ذلك، فهل الصورة التي يراها العالم واضحة؛ ملونة ومجسمة هم لا يرونها، أم هناك من يدفعهم إلى النظر بعين واحدة؟

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات