الدستور المحصن وأزمة الدولة

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

ظهر في الثمانينيات، وإبان الصدامات التي حدثت بين أجهزة النظام الليبي وجماعات دينية، مصطلحٌ غريب تتهم به هذا الجماعات، وهو (الجماعة السنية) وحين يقبض على شخص عادة ما تروج التهمة بكونه سنياً، وراجت هذه التسمية شعبياً رغم أن البعض كان يستغرب هذه التهمة لأننا نعتبر أن مجتمعنا سني بأكمله. كان هذا الالتباس ناتجا عن تسييس المصطلح في ظل الحرب الباردة، التي تلت الثورة الإيرانية ومحاولة تصديرها، بين المركز السني السعودي ، والمركز الشيعي الإيراني، أو ما يروق لي تسميتها بحرب الكاسيت التي اجتاحت الكثير من المجتمعات العربية واستقطبت فتية وشباناً يائسين، وأسهمت في النهاية في إنتاج أو تعزيز ظاهرة التطرف وما صاحبها من عنف.

كانت أطروحات النظام السابق في ليبيا نفسه تنطلق من شوفينية قومية أحيانا، ودينية أغلب الأحيان، وفي ذروة مغازلتها للوجدان الشعبي وللتيارات التي ترفع شعار الإسلام هو الحل، وقد جاء النظام بعد فترة حكم سياسي أرسى مبادئ شبه علمانية في مؤسسات الدولة، وعلى رأسها التعليم العالي، رغم تحدره من حركة دينية تبشيرية، لكن يبدو أن مسحة الصوفية في هذه الحركة كانت تعتبر الدين ضمنا ضميرا شخصيا والدولة تحتاج إلى إدارة دنيوية تحاول أن تستفيد من القوانين الحديثة ومن الخبرة الإنسانية في الإدارة.

كانت أطروحات النظام السابق في ليبيا نفسه تنطلق من شوفينية قومية أحيانا ودينية أغلب الأحيان

وفي الحالتين: الوهابية كمنهج سني متشدد، والخمينية أو الإثناعشرية كمذهب شيعي متشدد، كانت تظهر بقوة فكرة الدولة الدينية من جديد بعد عقود من محاولة تشييد الدولة العلمانية، في ظل الحقبة الكولينالية، وبرعاية العسكر فيما بعد أو الأحزاب اليسارية عموما ، لكن مغازلة هذه السلطات الاستبدادية للنزعة الإسلاموية في المنطقة أرست في النهاية قاعدة لهذا المد الذي نشهده الآن، ما جعل فكرة أن المجتمعات الإسلامية عصية بنيوياً على العلمنة تروج في أوساط فكرية عديدة.

في كتابه : "ما بعد الحداثة والعقل، والدين" يقول أرنست غيلنر: "عند نهاية العصور الوسطى، كان العالم القديم يضم أربع حضارات كبرى، ثلاث منها أصبحت اليوم علمانية، تبعا لهذا المعيار أو ذاك. فقد تعرضت العقيدة المسيحية للتعديل والتنقيح من قبل اللاهوتيين المسيحيين أنفسهم، والاعتقاد الإيماني العميق والحرفي ليس واضحا أو بارزاً في حضوره. في العالم الصيني، ترسخ نوع من الاعتقاد العلماني العميق بصورة رسمية بعد أن تم التنصل من أشكاله الدينية السالفة. في العالم الهندي، تأخذ الدولة وطبقة النخبة موقفاً حياديا إزاء ما يعتبر ديناً شعبيا سائداً، حتى وإن استمرت بعض الممارسات، مثل التنجيم، في انتشارها وشيوعها. لكن في واحدة فقط من الحضارات الأربع، الحضارة الإسلامية ، تبقى الحالة مختلفة اختلافاً تاماً. لِمَ يكون دين واحد بعينه على هذه الدرجة الملحوظة من مقاومة العلمنة؟"1

رغم أن غيلنر يشكك في محاولة تقديم جوابه الصحيح لهذا السؤال البالغ الأهمية ، بل ويشكك في "قدرة أي شخص على معرفته أيضا" إلا أنه يقترح عديد التصورات التي لا مجال لذكرها في هذا الصدد. لكن إشارته المهمة التي تأتي تاليا وبمنأى عن مجال إجابته، تتعلق بالجانب البنيوي التاريخي لفكرة الإسلام/ الدولة والتي يلخصها كما يلي :"عرف الإسلام نجاحاً سياسياً سريعا ومبكراً، الأمر الذي قد يشكل أحد الأسباب وراء عدم ظهور ملمح ازدواجية، الكنيسة/الدولة ، فيه : فالمجتمع الكارزمي الأصلي لم يكن بحاجة إلى تعريف وتحديد نفسه باعتباره معاديا للدولة التي مازالت حينذاك فكرة غريبة، فقد كان هو الدولة منذ البداية الأولى"1.

وعلى نفس المنوال الذي أشار إليه الكاتب، عمر الككلي، في مقالته : "الفلسفة مقاومةً وغازيةً" محيلا أسباب خسارة الفلسفة معركتها مع الدين في التجربة الإسلامية مقارنة بالمسيحية إلى هذا المدخل البنيوي نفسه: "في التجربة المسيحية في أوروبا كان الدين المسيحي غازيا وكانت الفلسفة تقاوم على أرضها، لذا تمكنت من المداورة والتحايل حتى تحقق لها الانتصار في حوالي القرون الثلاثة الأخيرة. أما في التجربة الإسلامية فقد كانت الفلسفة غازية وكان الدين الإسلامي يحارب على أرضه فحققت الفلسفة انتصارات محدودة في البداية، ثم انهزمت في الهجوم الكاسح المضاد الذي قام به الدين الإسلامي."2

على المنوال نفسه بالإمكان القول أن المجتمع المؤسس دينيا لأول مرة قاوم على أرضه مفهوم الدولة الوافد أو الغازي، ومثلما حاولت أن تجد الفلسفة لها مواقع قدم في التاريخ الإسلامي فإن الدولة أيضا حاولت، لكنها كل مرة كانت تخسر معركتها التحديثية في مواجهة البنية الأصلية، أو البنية المغزوة لطبيعة هذا الاجتماع البشري.

يرجع إخفاق إرهاصات بناء الدولة المدنية الحديثة خصوصا عن طريق الأنظمة التي جاءت بعد الحقبة الاستعمارية إلى كون إجهاض هذه المشاريع كامن داخل دساتيرها المغازلة للوجدان الشعبي

ولعل هذا التوصيف الذي اختزله غيلنر قابل لزحزحةٍ لن تصمد كثيرا حين نتطرق لدول عميقة ومتجذرة مثل مصر والدولة الفارسية التي اعتنقت الإسلام، وربما الصراع الذي شهدته مصر بين تراثها الفرعوني والنزعة الإسلاموية فيها، ومنذ قرون، يؤيد هذا التوصيف، وهو جدل مازلنا نعيشه حتى الآن في العلاقة المتوترة تاريخيا بين مصر والسعودية والتي أسهم الثراء السعودي في العقود الأخيرة في تأجيجها وميل الكفة للمجتمع المؤسس دينيا في مواجهة الدولة العميقة، أما ما يتعلق بدولة فارس فإن التراث الديني الزرادشتي الذي تم تهجينه مع الإسلام الوافد، خصوصا فيما يتعلق بنظام الإمامة والعائلة المقدسة، أدى في النهاية إلى انتصار نظام ولاية الفقيه الذي جاء بعد ثورة شعبية دينية عارمة. من جانب آخر؛ ربما يعود الصراع بين الإمام علي بن أبي طالب الشعوبي، ومعاوية ابن أبي سفيان القومي، للتجاذب نفسه بين مشروع الدولة السياسية الحديثة، بمعيار عصرها، عند معاوية، وبين الأمة المشيدة على قاعدة دينية عند علي.

إن بناء دولة فوق أرضية دينية ، كما يستأنف غيلنر، تم فيها قبول "القانون النهائي والإلهي، القانون الذي لا يقبل من حيث المبدأ تلقي أية إضافات إلهية أو بشرية"1 رسخ في النهاية ما يسميه بالقانون الدستوري المحصن، والجاهز دائما في انتظار كافة أشكال وأنظمة الحكم.

ويرجع إخفاق إرهاصات بناء الدولة المدنية الحديثة ، خصوصا عن طريق الأنظمة التي جاءت بعد الحقبة الاستعمارية، إلى كون إجهاض هذه المشاريع كامن داخل دساتيرها المغازلة للوجدان الشعبي عبر مبادئ حاكمة تضع الدين كمرجعية أساسية، أو وحيدة، للتشريع، وتؤكد على أولوية الهوية الإسلامية كهوية سياسية للدولة، وهي مبادئ مازالت مقاومة لعلمنة الدولة، وبالتالي لبداية مشروع ديمقراطي حقيقي في هذا المنطقة.

ويتعزز هذا التحليل عبر خطابات الجماعات الأصولية والتنظيمات الدينية التي انخرطت في السياسة ، وحتى المعتدلة منها، والتي تطرح سياسيا مفهوم الأمة في مواجهة الدولة، والخلافة في مواجهة التداول السلمي للسلطة، والمبايعة كبديل للانتخابات الديمقراطية الحرة.

1 ـ أرنست غيلنر . ما بعد الحداثة والعقل، والدين ـ ترجمة معين الإمام ـ دار المدى.
2 ـ عمر أبو القسم الككلي ـ الفلسفةُ مقاوِمةً وغازيةً ـ بوابة الوسط 22 مايو 2016

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات