بورتريه: زملائي أساتذتي

أحمد الفيتوري |
أحمد الفيتوري

شئنا أم أبينا ليس لدينا سوى ثلاثة بدائل: الأمس، والحاضر، والغد وليست حتى ثلاثة إذ كما يقول الفيلسوف: فإن الأمس أمس لا يخصنا إلا في الذكرى: الوردة التي تساقطت أوراقها لا يمكن قطف بتلة أخرى منها أوراق اللعب ليست سوى اثنين. الحاضر ويوم الغد وليستا حتى اثنين، لأن الحقيقة الراسخة هي أن الحاضر لا يوجد إلا بقدر ما يصبح ماضيا قد مضى وانقضى مثل الشباب. في نهاية المطاف لا يتبقى لدينا سوى الغد: وأنا أرفع كأسي لذلك اليوم الذي لا يأتي أبدا لكنه الوحيد الذي في متناولنا حقا.

•الشاعر التشيلي الكبير نيكانور يارا

•أما قبل
يُقال الرفيق قبل الطريق، لكن كما أننا نولد من والدين لا نختارهما، في وطن لم نختره، فإن الزميل تختاره لنا الحياة، منهم من يكون الصديق الصدوق، منهم من يكون المعلم العلامة في التكوين، حالفني الحظ فحباني بزملاء غدوا علامة الطريق والطريقة، وحيث أن لكل شيخ طريقة أو كما يقول المثل، فقد طلع في مشواري منذ التكوين الأول الشيخ الزميل تلو الزميل الشيخ: كنا الزملاء في مدرسة عمر المختار الإعدادية الثانوية بحي الزريريعية بمدينة بنغازي، وهي أول مدرسة تُبنى كمدرسة من قبل الدولة في المدينة، قبلها أنشأت اليونسكو مدرسة شهداء يناير في الشارع الرئيس بها، أوكد أننا كنا زملاء عدة لكن هناك من تصطفيه ويصطفيك، في الستينيات من القرن الماضي، لم تتوفر المفاصل بين البشر، توفر الوقت وبطء حركته، صغر المحيط ما يبدو ككمشة، لذلكم فإن الزمالة تغدو صداقة، كما تمسي الأخوة صداقة، في الزمان ذاك التعليم كالماء ما الحصول عليه من الصعوبة بما كان فإن غاب الوراد عطشنا، ومن منا عرف الفرق بين الألف وكوز الذرة كمن سبقك بليلة فبات أكثر منك حيلة، مِنْ مَن يغدو –كمقدام- قدام باجتهاد ومثابرة يلتفت إليك مادا يده متشبثا بك لتلحقه وإن كنت قد تسبقه أيضا، حينها كانت أرض الله واسعة ولم تتوفر المصابيح بعد لذا يتكدر المسير دون ونيس.

حينها كانت أرض الله واسعة ولم تتوفر المصابيح بعد لذا يتكدر المسير دون ونيس

في مدرسة عمر المختار، كما في المسرح الحديث ببنغازي، أيضا في شارع الإذاعة، أو في الصحافة: حالفني الحظ بزملاء كرماء، كرمهم يتلقفك عن بعد، يفتح الباب لك لما تطل خجولا يربكك الارتباك، يشدك بيد تأخذ الكتاب بقوة وتمهد الصعاب التي في ليبيا تجسدها الجغرافيا قبل التاريخ... كذا كان ثلة من الزملاء:

• الزملاء أساتذتي في الفن في المسرح في الكتابة
المرحوم عثمان منصور السلامي
الشاعر المتقاعد محمود العرفي
المخرج المسرحي داوود الحوتي
الكاتب المسرحي البوصيري عبد الله
المخرج والممثل المسرحي المرحوم على بوجناح
المخرج التلفزيوني على محمد المصراتي

كل منهم كتاب إن فتحت أو كتبت، كتاب حياتي منذ البئر الأولى، في مدرسة عمر المختار زملاء في الصف الاعدادي الأول-منهم الجار أيضا-عشت معهم وبهم حالة مترعة بحب الحياة وعشق الجمال والوله بالفن -سدني بوتيه الممثل الأمريكي الزنجي أول ممثل نجم من السود في أمريكا سدني بوتيه هكذا لُقب زميلي صديقي عثمان منصور لشغفه بهذا الفنان وبالفن وبجيمس براون المغني الأمريكي، عثمان من يسكن بحي المحيشي كنتُ أذهب إليه مشيا أو يجيئني كي نرتاد السينما أو نستمع لآخر موسيقى زنوج أمريكا في الجاز وغيره وكنا شغوفين بفيروز، والمرسكاوي الفن الشعبي الليبي طبعا، عاش عثمان قبلها في حي الصابري أرض المرزكاوي والغيطة وما شابه.

في هذا الحي حيث ولدت وعشت، الجار هو محمود العرفي من أخذ يكتب الشعر الفصيح وحينا العامي، وفي الشعر يكتب الشعر الحديث شعر جيل السبعينيات وهو منذ التكوين الأول لفت الانتباه وشدنا بموهبته إلى شعر عبد الوهاب البياتي وعبد الباسط الصوفي وعلى الرقيعي وخالد زغبية من هو أصيل الصابري حينا، لكن هذا القنديل الأخضر المُتقد سرعان ما سمى نفسه الشاعر المتقاعد وانسحب إلى موظف في بنك الجمهورية.
داوود الحوتي شغف منذ الطفولة بالمسرح في المدرسة ثم في فرقة المسرح الشعبي ملأني دون أن يدري بشغفه، حينها أحدهم أشعل النار في غرفة الرسم والمسرح، ووقّع على الأرض بحبات السكر: "القط الأسود" تقليدا لمسلسل بوليسي شهير يُبث وقتها في التلفزيون، انتشرت القصة في كل البلاد عبر الصحافة وحتى التلفزيون، أمست مدرسة عمر المختار مدرسة القط الأسود شعبيا، هذا كما يبدو أشعل شغفنا بالمسرح في المدرسة ثم في الحياة، الطفل داوود الحوتي فيما بعد درس الإخراج المسرحي في النمسا ثم المجر، الفقر المدقع والظرف الصعب ما عاشه داوود الحوتي كأنما كانا زاده ومُحفزنا أن ترتقي الفنون بحياتنا، والمسرح كان ساعتها أستاذ الشعوب، فجعلنا من أنفسنا التلميذين المُجدين في هذا المحراب.

هؤلاء في البلاد التي كانت حينها على يد الفاشية مزرعة للعوسج علموني أن ذات البلاد فيها كما هؤلاء من زرعوا فيَّ بذرة العلم والفن والحياة

أما البوصيري عبد الله العائد من مغامرة لدراسة المسرح في فرنسا فقد نزل بنغازي حينها في مطلع السبعينات، وكنتُ وعلي بوجناح الممثل والمخرج المسرحي، وعلي المصراتي المخرج المسرحي من ترك المسرح إلى الإخراج التلفزيوني، مجلس إدارة فرقة المسرح الحديث التي من نهجها أنها فرقة ليبية في النص والإخراج والتمثيل، البوصيري عاش واشتغل كراهب بالمسرح في مدينة طرابلس الغرب، وكما ذهب لباريس كي يتعلم المسرح بالنزر القليل من المال وعلى حساب جيبه الفارغ، جاء بنغازي بحسٍ مسرحي صوفي ويساري شغوف ببريخت المسرحي الألماني الأشهر ومدرسته المسرح الملحمي، وكتب ونشر على حسابه كراسات مسرحية حول مفاهيم المسرح وهلم جرا، كنتُ قرينهُ ومصطفي الهاشمي رئيس اللجنة الثقافية بالمسرح الحديث التي جعلت مقر الفرقة ضاجةً بالمناشط الثقافية، وتصدر مجلة "الرائد" شهريا ما تطبع على الآلة الكاتبة وغدوت رئيس التحرير، أصبحت والبوصيري قرينين. وفي هذه الفرقة سأكتب مسرحية "شارع بوخمسين" بالعامية وستذاع عبر التلفزيون وتكون حينها المسرحية الأشهر مثل فيها عبد المنعم العروية الناشط اجتماعيا الأشهر في بنغازي حاليا، وبطلها على بوجناح الرسام التشكيلي والمهندس الزراعي المصاب حتى الدهشة بالمسرح، أما المخرج على المصراتي فقد جاء بنغازي من طرابلس كما البوصيري عبد الله واتخذ من المسرح الحديث المحراب.

هؤلاء علموني
هؤلاء علموني يعلمون أو لا يعلمون
هؤلاء علموني وهم مجدون في التعلم أيضا
هؤلاء في البلاد التي كانت حينها على يد الفاشية مزرعة للعوسج ، علموني أن ذات البلاد فيها كما هؤلاء من زرعوا فيَّ بذرة العلم والفن والحياة.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات