حريم السلطان

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

تقع مطاعم شارع (أثيناس)، المتفرع من ميدان (أمونيا)؛ في سوق أثينا الذي يمدها بحاجياتها اليومية من الخضراوات واللحوم، والأسماك والفواكه والزيوت والبهارات والمخللات والبقوليات وكل أساسيات الغذاء اليومي.

صباح تلك المطاعم يبتديء بإفطار العاملين بالسوق، الذين ينتظرهم عمل يوم شاق يتواصل حتى عشاء عشاق الليل والعاملين به، الذين أنهوا عمل ليلتهم ولا يريدون الذهاب إلى أسرتهم ببطون خاوية إلا مما احتسوا من نبيذ أثناء الليل.

عند مداخل تلك المطاعم، التي لا تقفل إلاّ أيام أعياد الميلاد؛ تلتقي نماذج متباينة من البشر تنتمي إلى عالمين مختلفين؛ عالم الليل وعالم النهار وتتحدث لغتين مختلفتين فيقول عمال السوق، مثلا، لندل المطاعم:
- "صباح الخير." فيردون عليهم بالتحية نفسها: "صباح الخير لك أيضا ".

ويقول عشاق الليل للندل:
- "مساء الخير." فيردون عليهم بالتحية نفسها: "مساء الخير!!" ورغم الزحمة والحركة الدائبة لا يخلطون أبدا بين التحيتين.

قدور بمداخل المطاعم يتفق أغنياء أثينا وفقراؤها على جودتها، لعله بسبب موادها التي اشتريت من السوق نفسه، وما كان العاملون بالسوق ليأكلوها لو لم يعرفوا أنها طازجة. روائح الأكل تفتح شهيتك من مدخل السوق فتتذكر على الفور روائح الأكل في مطاعم العرب الشعبية. قدور هائلة من (طبائخ الفاصوليا والكوارع والكرشة والباميا والرؤوس المصلية) تعبق بروائح الثوم والكمون.

- "إنه أكلنا " قلت منبهرا، فأجابني مرافقي العجوز اليوناني:
- "إنه أكل المطبخ التركي" ثم استطرد "ولكنهم سيصلونك في أحد هذه القدور إن ذكرت ذلك للطاهي، فليس هناك يوناني واحد يرضى بأن تنعت قهوته بالتركية، وكذلك أطباقه، إنها أطباق يونانية جدا فتذكر ذلك دائما "
تناولنا عددا من الأطباق، لا تختلف كثيرا عما تطهيه والدتي، ثم أحضر النادل صحنين يغمرهما عسل.

- "الياغورت بعسل النحل، طبق ابتدعه الأرمن" قال العجوز وهو يلعق إصبعه الذي غمسه في العسل المسكوب فوق الياغورت. وخيل إلي أنه استغرق في المتعة الوحيدة الباقية له من بعد أن فقد أسنانه.

نحن في الغالب لا ننتبه بجدية لمعلومة متداولة باتساع العالم، ولا ننتبه إلى أنها خطيرة مثلما يقولون إلاّ عندما تواجهنا مباشرة وننتبه إلى أنها فعلا لم تُقَلْ عبثا. يقول الناس أن الإعلام سلاح خطير للغاية، ولكن الناس يقولون أيضا: خطير على (الغافل) فقط، وليس على (الفاطن) وإن كان لا ينتبه إلى أن أسرته أو جزءا منها غافلة بالفعل. دعوني أوضح الأمر ببساطة.

لم أر شقيقتي وأسرتها لأكثر من سنتين، كنت متشوقا للقائها وأسرتها، وظللت أترقب قدومها متطلعا إلى لقاء حميم. وصلت. أصرّت أن أشاركهم وجبة غداء. كنت متشوقا للقائها، وكذلك إلى تفننها في طهى (الرز المبوّخ) ودقتها في اختيار بهاراتها.

والتقينا وتعانقنا وأكلنا وشربنا، وجلسنا حول الشاي الأخضر المنعنع، أستمع إلى ما غاب عني، مستمتعا بذكريات عابقة.

كنت مأخوذا منسجما، ولم أنتبه إلى أن أبناءها يبتعدون عنا ويتجمعون أمام التلفزيون، إلى أن أعلنت ابنتها: "ماما الحلقة بدأت" تبسمت شقيقتي وانسحبت نحوهم، قائلة: "هيا تعال حلقة خطيرة من مسلسل حريم السلطان " وغمرهم صمت مطبق، واكتشفت أن المسلسل يتحدث عن السلطان العثماني سليمان القانوني ومؤامرات حريمه. وانتبهت إلى أن شقيقتي كانت أكثرهم انسجاما، وأنا أعرف أنها قارئة جيدة ومتابعة لما أكتب، وبالتأكيد قرأت روايتي (الكراكوز) التي تناولت التاريخ العثماني من زاوية تاريخية ساخرة.

ونقلت فيها آراء المؤرخين، منهم الدكتور عبد العزيز الشناوي، الذي يرى أن لقب القانوني الذي أطلق على السلطان سليمان فضفاض، فهو في الحقيقة سن قوانين منها ما هو عادل ومنها ما هو ظالم، وكان الأسلم أن يسمى سليمان المُشرِّع وليس القانوني، ناهيك عما قامت به زوجته المفضلة (روكسلان) أو (خُرم) التي أوغرت صدره فحنق افضل ابنه مصطفى يوم 21/9/1553 فبدأت، من ذلك التاريخ، الدولة العثمانية في الانهيار. أنا لا أدري إن كانت هذه الحادثة وثقت في مسلسل حريم السلطان أم أن الإعلام قدمها بشكل مخالف لحقائق التاريخ.

أنا أقول لكم ذلك لأنني تذكرت أنني يوم زيارة شقيقتي قرأت خبرا مفاده أن السيد رجب طيب أردوغان توعد مصر إن هي تدخلت في ليبيا، وأنا لا أستطيع أن أجزم بصدق ما قاله جناب السلطان الذي أظن أنه ما زال يرى أن ليبيا مستعمرة عثمانية.

التاريخ العثماني - أو التركي - عجيب؛ تاريخ إمبراطورية ازدهرت، فظللت مدن البحر الأبيض المتوسط، والعالم العربي الإسلامي كله باستثناء المغرب. هناك من يرى هذا الظل مثمرا فقد حمى رؤوس المسلمين من الفتن وفيالق المرتزقة وشعوذة الزنادقة والمحافظة على الديانة الإسلامية من فلسفة الشيع والأحزاب وتطاولهم على أسس هذا الدين. وهناك من يرى أن هذا الظل قد حجب شمس المعرفة، فتقوقعت العقول واغتالت الاجتهاد وجعلت منا أمة محكومة بعقول السلف الصالح، وكذلك الطالح.

لقد جعل العثمانيون من الأمة الإسلامية، طوال خمسة قرون، مستعمرات تركية؛ رجالها عبيد في أطيان أمراء الإقطاع ونساؤها وصيفات في قصور الحريم وشبابها أغاوات لغلمان السلطان. ومن بعد أن فقدت الإمبراطورية العثمانية معظم ولاياتها المسيحية، اتجه السلطان عبد الحميد إلى بلاد العرب محاولا كسب ودهم من خلال دعوته ومساندته للجامعة الإسلامية، وبالفعل كاد ينجح في ذلك رغم أن العثمانيين أغمضوا أعينهم عندما احتلت فرنسا تونس سنة 1881، وبعد أن سمحوا، أو لم يسمحوا لبريطانيا باحتلال مصر سنة 1882، ولما احتلت إيطاليا ليبيا سنة 1911 تخلت عنها، (عيني عينك!)، في حين أنها أرسلت جيوشها في نفس السنة لقمع ثورة اليمن، تاركة الشعب الليبي وحده يواجه قوة عاتية وهو الأعزل من كل شيء، عندئذ انتبه العرب إلى لعبة الجامعة الإسلامية وثاروا في كل مكان على العثمانيين، وحاولوا، خصوصا مصر، مساعدة ليبيا ولكن الاستعمار الأوروبي الثاني كان قد قرر تقسيم تركة رجلهم المريض قبل موته، فاختلقوا كل الأعذار للحيلولة دون ذلك.

لقد تخلت الإمبراطورية العثمانية، في مرحلة مبكرة، عن بلدان شمال أفريقيا للفرنسيين، الذين كادوا أن يطمسوا هوية شعوب تلك المنطقة، التي لا أعلم شعوبا أكثر منها قاومت محاولات هذا الطمس. وتركوا مصر في أيدي إقطاعيين، من أصول تركية، امتلكوها وحافظوا على ممتلكاتهم بارتباطهم الكامل بالإنجليز ولم تتخلص منهم مصر إلا سنة 1952م. وتركوا الشام مقسمة ومتناحرة بين ديانات ومذاهب متعددة لينتهي الأمر ليس بطعن الشام وحدها ولكن بطعن العالم العربي كله بالخنجر الصهيوني المسموم فظلت، حتى الآن، تعاني منه. وتركوا الجزيرة العربية، وكذلك ليبيا، يتصدران قائمة أكثر دول العالم تخلفا وفقرا، ذلك حسب تقارير سنة 1952. فهل أشار هذا المسلسل واعتذر عن هذه الحقائق؟ لا أعتقد ذلك.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات