معاداة الإسلام ومعاداة السامية

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

تشهد ليبيا، منذ 2011، ما يبدو مخططا مبيتا يزداد إحكاما، يتمثل في عملية إفراغ البلاد من عناصر التجربة والخبرة في مختلف المجالات. ابتدأ المخطط باغتيال رئيس الأركان بعد تفجر أحداث 17 فبراير عبد الفتاح يونس خشية، في ما يبدو، أن يشكل نجاحه أساسا لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس احترافية ويتم، بذلك، قطع الطريق على الطموحات الميلشياوية الإسلاموية في الهيمنة على مقدرات الوطن والشعب، وإعادة تشكيل المجتمع وفق رؤية متطرفة في ضيقها وتشددها. تأكد هذا من خلال مسلسل تصفيات العسكريين من حملة الرتب العالية وذوي الخبرة في مجالهم.

لاحقا أتى الإصرار الشديد على ما سميَّ بـ"العزل السياسي" من خلال حملة إعلامية مكثفة وإقامة "خيمة العزل السياسي" بميدان الشهداء بطرابلس والاعتصام بها مدة طويلة، ثم صيغ "قانون العزل السياسي" وتم إقراره من "المؤتمر الوطني العام" تحت فوهات الأسلحة.

على أثر ذلك تم الالتفات إلى نشطاء المجتمع المدني ودعاة حقوق الإنسان فاغتيل عدد منهم. وبعدها بدأ مسلسل اختطاف الصحفيين والإعلاميين وترويعهم. وتشهد المرحلة الحالية توجها نحو ترويع الكتاب من خلال إعلان كفرهم من فوق منابر المساجد واختطافهم واحتجازهم فترة بدعوى أنهم يقرؤون كتبا لعلمانيين!

ولم تقف فتاوى التكفير عند مستوى بعض خطباء المساجد بل دعمها موقف جهة رسمية هي "الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية" في بيان رسمي لها منشور على صفحتها بالفيسبوك.

عنونته بـ "توضيح بشأن ما تضمنه بيان تحالف القوى الوطنية من افتراء" استغلت فيه ما أثير حول واقعة تكفير أحد خطباء المساجد بمدينة البيضاء الكاتب الشاب خليل الحاسي لتدعم فتوى التكفير بطريقة مفضوحة.

إذ تفتتح الهيئة توضيحها بالتالي: "الحمد لله القائل: (ومن يتبع غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين). والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين المبعوث رحمة للعالمين القائل: (وجعل الذل والصغار على من خالف أمري)."

فالنغمة التكفيرية "موضحة" منذ البداية، إذ إن التوضيح يسدد حرابه مباشرة لمن ترى الهيئة مسبقا أنهم ابتغوا غير الإسلام دينا وخالفوا أمر الرسول وتنذرهم بالخسارة والذل والصغار. وهذا تزكية صريحة ومنذ المستهل لفتوى الخطيب المعني التي، في الوقت الذي يتم فيه إنكار حدوثها، يتم تأكيد مضمونها.

ثم يمضي البيان إلى الاحتجاجات والاستنكارات التي أثيرت حول الواقعة فيصفها بالزوبعة ويصف وسائل الإعلام التي ساهمت فيها أنها فوضوية مؤدلجة والكاتب موضوع الواقعة بأنه "أحد الكتاب المغمورين الذي جعلت منه وسائل الإعلام بطلا".

إذا كان الكاتب مغمورا فما الذي جعل الخطيب يتناوله بالإسم في خطبة جمعة؟! ثم هل من الجائز أن يتم صدور فتاوى بخطورة فتاوى التكفير ضد الناس مغمورين أو طافين؟!

يعلن التوضيح أن إدارة شؤون المساجد بالهيئة استدعت الخطيب المعني وقامت "بالاستفصال منه واطلعت على خطبته المكتوبة فكان موضوعها يتعلق ببيان عقيدة الشيعة والروافض والتحذير منهم..." والسؤال هل استمعت الإدارة، إلى جانب قراءة نص الخطبة، إلى تسجيل صوتي لها على المنبر؟. يقول التوضيح أن "الخطيب لم يقل عن الكاتب أنه [شيعي كافر]...وإنما ذكر الخطيب أن الكاتب في صفحته يطعن في الصحابة رضي الله عنهم كما تفعل الشيعة وحذر منه ومن صفحته." طبعا يبدو أن الخطيب فعل ذلك لأن الكاتب مغمور. وقبل هذا وأثناءه وبعده: ما علاقة كاتب مثل خليل الحاسي بالشيعة والروافض حتى يزج اسمه في سياق الحديث عنهم؟!

ثم يمضي التوضيح إلى القول بأن الهيئة اطلعت على بعض كتابات الكاتب المنقولة من صفحته على الفيسبوك "فهالها ما رأت فيها من كتابات خبيثة" وأنها "تدين كتابات هذا المبتور [هكذا والله!] من اعتداء على شريعة الإسلام وثوابتها [...] وترى أن هذه الكتابات هي دعوة صريحة للعلمانية وطعن صريح في الإسلام [دين الدولة]." معلنة أنها سترفع قضية ضد الكاتب.

يتضح من التوضيح أنه وضح أن الهيئة تؤيد فتوى الخطيب التكفيرية، سواء كان هذا التكفير معلنا أو مضمرا، وتقر تكفير الناس وبالتالي تحول أي بحث تاريخي متعلق بالتاريخ الإسلامي أو نقاش فكري لمسائله يخالف رؤيتها إلى ما يشبه سيف معاداة السامية الذي تسلطه إسرائيل والصهيونية العالمية على رقاب من يتناول سياسات إسرائيل تناولا تراه يمس بها.

لهذا التوضيح خطورته الكارثية لأنه يعلن صراحة أن منهج التكفير متبع وموصى به من قبل الهيئة حين تقول: "والهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية إذ تذكر هذا تبين أنه للخطيب والواعظ أن يرد على كل من طعن في الإسلام وعقيدة المسلمين، أو اعتدى على الشريعة الإسلامية، وفقا للوائح والتنظيمات بالهيئة".

هذا الكلام يثير شكا حول أن الخطيب قام بفعلته هذه بإيعاز من الهيئة وأن واقعة تكفير الكاتب الشاب خليل الحاسي تأتي خطوة أولى في مسيرة تكفير الكتاب والمثقفين الأحرار ولا يستبعد أن تكون ثمة قوائم جاهزة بالأسماء "الواجب تكفيرها" كما أن الهيئة ستتبع طريقة جديدة في مطاردة أصحاب الفكر الحر [الذي لا ينبغي أن يكون صائبا بالضرورة، ولكن المهم فيه أنه فكر مستقل] من خلال استغلال مؤسسة القضاء، التي لا تستطيع أن تكون مستقلة الآن، من خلال إعلان نيتها في رفع قضية ضد الكاتب ذي التفكير المستقل خليل الحاسي، ومن المؤكد أن هذه الخطوة التصعيدية ستتبعها، لو حدثت، إجراءات مماثلة ضد كتاب آخرين.

ينبغي عدم السكوت على هذا التوضيح الذي لا يدخر وسعا في "توضيح" أن الهيئة تشن حملة تصفيات وإبادة فكرية على الكتاب والمثقفين المستقلين، تماثل محاكم التفتيش ومطاردة السحرة التي اجتاحت أوروبا القرون الوسطى، مما يضطر من لا تنالهم التصفية منهم إلى الانزواء والصمت تقية أو يجد إلى هجر الوطن سبيلا.

لقد كانت التوقعات في السابق أن هذا برنامج المليشيات الإسلاموية المتطرفة، لكن هاهي الآن مؤسسة من المؤسسات الرسمية للدولة هي "الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية" تنبري علنا لتنفيذ هذه المهمة، وإن عن طريق القضاء. وهذا الأسلوب يشترك مع إرهاب الاغتيالات وحز الرؤوس في كونه يستهدف، هو أيضا، إزهاق الأرواح.

إن الكتاب والمثقفين والناشطين الحقوقيين وناشطي المجتمع المدني والصحفيين والإعلامين، الأحرار، وكذلك منظمات حقوق الإنسان في الداخل والخارج مطالبون، أكثر من أي وقت مضى، بالوقوف ضد هذا التوجه الرسمي التكفيري التصفوي.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات