ركن العامرية.. أيها الخليل، جمعتكَ مباركة مبروكة

فدوى بن عامر |
فدوى بن عامر

أكتبُ اليوم وقلمي يذرف دمعًا لإدراكه ما ألمّ بصاحبته، فبنانها يرتعش من شدة تفجر مدامعها، فالغضب شديد على أحوال بلد يُهدم بسواعد رجاله وفكر يُكمم، ويُيتّم ومداد يُقطع ويُنضب كي لا يُسطِّر حرفًا ولا كلماً.

لماذا كل هذا الصد لجيل صاعد من الشباب اختار أن يحتفظ برأس متفرّد فأطلق العنان لفكره، وأرسل الكلمات مدرارا. شباب ليس في صناديق سيارتهم أكثر من قراطيس وأقلام، لا بارود، لا قذائف ولا سلاح ولا حتى سكين فاكهة واحد.

وجمعتكم مباركة مبروكة وفي نهار ليل سرمدي، تحدث الفقي كلام ظاهره غير طيب و باطنه أيضًا. أنا لا أدري كيف تحولت خطبة الجمعة في بلادي من جرعة مودة وحنان إلى جرعة قسوة ومهانة.

وبينما جمعتكم مباركة مبروكة أيها الأعزاء إذ اعتلى الفقي منصة من منصات العظات العظام. ممتطياً صهوات كلم غلاظ صائحًا بحماسة حسبته مستنهضاً بها الهمم لبناء وطن دُمَّر بأكف رجاله، شيبهم قبل شبابهم، وطن اجتاحه المرض والعبث والطمع والمجون، وطن يتدحرج إلى الهاوية كل يوم وساعة حتى باتت أحلامنا و أمانينا ودعواتنا يوم الجمعات المباركات سرعة الوصول إلى القاع الذي لا قاع بعده، لعلنا بذلك إما أن نستقر هناك فلا تسوء الأوضاع أكثر أو نلملم جثثنا الهامدة، ونبث فيها بعضاً من روح لنبدأ بها رحلة الصعود. هذا الوطن الذي كان يومًا وطناً للجميع بات اليوم سعيراً للجميع.

فبدل أن تكون اللغة لغة كلمات نتصارع بها جميعًا فكريًا فيصرع أحدنا الآخر بالمنطق والعلم والبيان، أصبحت اللغة تحض فقط على إطلاق الرصاص والقذائف على أصحاب الآراء المخالفة، وجمعتكم مباركة مبروكة قال لكم الفقي وهو صاحب السيادة الروحية والفكرية والنفسية على مستمعيه، وبعد إطلاق البخور برائحة البارود مصحوبة بالصيحات حتى اهتزت الأركان، وتطاولت الأعناق وبتوقيع من رب العالمين تكلم، وبلسان رب العالمين تحدث عن الكاتب الشاب المبدع خليل الحاسي ذكره بالإسم، وتعرض لضلالة منهجه وبطلانه واستخلص الفقي أن الكاتب الشاب علماني، ويتفق مع الشيعة في بعض معتقداتهم ولذا وجب الابتعاد عنه وكرهه، وعدم محادثته أو قراءة ما يكتبه لما يمثله ذلك من خطر جسيم على الأمة الليبية.!

بالنسبة للعلمانية والتي هي منهاج للحكم السياسي فلم أرَ إجماعًا بين العلماء على تكفيرها فالعلمانية آيديولوجية سياسية

وقد أثارت استعجابي الشديد الكثير من النقاط لعل أهمها التالي؛ أولًا لم كل هذا الإصرار للتعامل مع متعاطي التفكير، رغم شحّهم في بلادنا، فنجري وراءهم نقاضيهم وما نحن بقضاة نفعل ذلك، رغم أن البلد تعج بمتعاطي المخدرات والبوخة والرصاص. نترك كل هؤلاء أحرارًا طلقاء ولا ننبس بكلمة في شأنهم، لأننا في الحقيقة نعلم أن الكلمة ستكلفنا رؤوسنا، ولكن كلمتنا ضد متعاطي الفكر سيكون ثمنها رؤوسهم هم، وحينها ستبقى رؤوسنا جماجمَ لا ينالنا منها سوى حمل ثقلها.

وأما النقطة الثانية هي، إن جاءت كلمات الكاتب الشاب مطابقة لأفكار الفقي فهل كان سيكون هذا التهجّم، وذكره بالإسم في خطبة جمعية مباركة مبروكة وعلى رؤوس الأشهاد.! قطعًا لا. فنحن نريد سياسة الفكر الواحد والمنهج الواحد لا شُعُوباً و قبائل لنتعارف ونتآلف.

هناك نقطة أخرى أراها مهمة للغاية وهي تهجَّم الفقي على الكاتب خليل لأتفاقه مع بعض معتقدات وأفكار الشيعة.! وهنا لا يسعني إلا التساؤل، ألسنا كلنا كذلك؟ أليس الفقي نفسه كذلك؟ أعني ألا تؤمن الشيعة بالشهادتين كما يؤمن بها أهل السنة، ألا يؤمنون بقواعد الإسلام وأركان الإيمان، وهما جوهر العبادات والعقيدة وأيّة اختلافات أخرى لا تكون إلا من باب الاختلافات المشروعة التي لا تقيم دينًا، ولا تهدمه برأي غالبية رجال الدين، ومن هنا حتى وإن اتفق الكاتب، وأضع تحتها ثلاثة خطوط، مع بعض أفكار الشيعة التي لا يوافقها الفقي فلا ضرر أو ضرار لأن ذلك كما أشرتُ لا يقيم دينًا، ولا يهدمه بحسب معظم أهل العلم.

وأما بالنسبة للعلمانية والتي هي منهاج للحكم السياسي، فلم أرَ إجماعًا بين العلماء على تكفيرها فالعلمانية آيديولوجية سياسية، أما الدين فخلاص روحي أوسع وأعمّ من أن تضمه قضبان آيديولوجية. يا بلادي، أهذا قدر كل من اجتهد ففكر وكتب، أن يُكْتَم قلمه وإلا فلينتظر مصيره قادمًا إليه مِمن لا رأس له يأتيه برصاصة غادرة.

لماذ التعنّت على أن لا لغة بيننا إلا لغة السلاح؟ ولكن من لا يقوى على مواجهة الكلمة القوية بأخرى أقوى منها فكريًا، عندها تكون الحلول السريعة كالتخوين والتكفير للتفكير، والتي مجتمعة تقود للغة الإرهاب. لكن هيهات فصاحب الكلمة الصادقة القوية لا يموت أبدًا لأنه هزم الموت بكلماته وسيعيش متنقلًا خلال الأزمان عبر الكلمات.

كذلك لا تنحصر خطورة هذه الخطبة فقط في ذكر اسم الكاتب خليل وتعريض حياته للخطر في ظل بلد انتشر فيه السلاح، مخلوطًا بالسفه والخبل وإنما في ما تحمله من مؤشرات خطيرة لا يجب السكوت عنها والتهاون فيها. فهذه الخطبة قد حكمت على الحرية الفكرية بالاندثار، فأي عار يلحقنا بعد هذا العار.!

وجب الانتباه إلى أن حرية التعبير للكاتب خليل الحاسي حق له فهو لا يملك أية سلطة روحية أو نفسية على الناس. هو يعرض أفكاره في بلد يئن من الفاقة الفكرية، يعرضها مكتوبة بقلم رصاص لا بمسدس محشو بالرصاص. فمن شاء فليقرأ ومن شاء فلا يقرأ ومن شاء فليجادل ومن شاء فليسكت.

ومتى تكون بالفعل جمعتنا وأيامنا كلها مباركات مبروكات يا بلادي.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات