ما يحدث في طرابلس حدث من قبل

عمر الكدي |
عمر الكدي

ما يحدث في طرابلس اليوم حدث من قبل، وسيتكرر حدوثه ما لم تؤسس دولة حديثة ذات مؤسسات راسخة، وسأستعين بكتاب الحوليات الليبية للقنصل الفرنسي في ليبيا في مطلع القرن التاسع عشر شارل فيرو، لتوضيح ما عانت منه طرابلس ولا زالت تعاني، والفرق بين الأمس واليوم أن الأمس كان يحكمه الانكشاريون واليوم يسيطر على المدينة المليشيات.

في يوم 13 مايو سنة 1675 توفي بالي داي حاكم طرابلس بعد معاناة مع المرض، فبايع الديوان والانكشاريون مصطفى بهلوان ليحل محله، ولكنه نسى أن يقدم الهدايا للانكشاريين بهذه المناسبة، فخلعوه بعد عشرة أيام ونفوه إلى جزيرة جربة، وعندها أرسل الباب العالي إبراهيم المصري واليا على ليبيا الذي خاض عدة مواجهات مع الأسطول الإنجليزي، قبل أن يقرر الانكاشاريون الإطاحة به في شهر مارس سنة 1667، فتحايل عليهم وفر على متن سفينة ومعه ابنه وأمواله بعد أن دس السم لزوجته فماتت بعد يومين، بينما توجهت سفينته إلى مصر.

في الخامس من شهر أبريل اختار الديوان والانكشارية آمر سجن القديس انطوان يدعى إبراهيم شلبي ليكون دايا جديدا، غير أنه لم يستمر في الحكم إلا ثلاثة أيام، بعد أن أجبره أميرال القراصنة مصطفى قبودان على التنحي والجلوس على العرش بدلا منه، وهو علج يوناني الأصل توفي بعد عام من الحكم المضطرب في الرابع من أبريل عام 1677، فاختار الديوان شيخا طاعنا في السن يدعى بابا عثمان، وهو فرنسي الأصل من مدينة نيس وكان يشغل وظيفة مأمور تموين الجنود، إلا أنه توفي بعد عام واحد بداء الاستسقاء.

الفرق بين الأمس واليوم أن الأمس كان يحكمه الانكشاريون واليوم يسيطر على المدينة المليشيات

في عام 1683 بايع الجند حدادا تركيا يدعى آق محمد الحداد دايا جديدا، لكنه لم ينعم طويلا بالحكم فقد تآمر ضده خليل باشا الأرناؤوطي، الذي أرسله الباب العالي من قبل ليكون دايا على طرابلس، وفي الجبل تآمر ضد قائد منطقة غريان وهو من أصل مالطي يدعى مراد، وانتهت المؤامرة بمبايعة قائد الجيش حسن عبازة دايا جديدا، وتعيين مراد المالطي قائد للانكشارية عام 1679، وبعد أن أخضع المالطي فزان لسلطة داي وفي طريق عودته إلى طرابلس قرر الإطاحة بحسن عبازة الذي تنازل عن الحكم طواعية ونفي إلى جزيرة جربة، وبدلا من أن يستلم مراد المالطي الحكم بايع رجلا من البندقية يدعى يلك محمود، الذي استمر في الحكم يومين فقط قبل أن يخلفه علي الجزائري، وفي عام 1683 شعر المالطي أن الجزائري لم يعد مناسبا له فخلعه وبايع عبد الله الأزمرلي دايا جديدا، وهكذا توالى على حكم طرابلس خلال ثلاث سنوات سبعة دايات جميعهم علوج وقراصنة من أصول أوروبية.

في عام 1685 خلع عبد الله الأزمرلي وبويع إبراهيم الترزي دايا جديدا بعد مقتل مراد المالطي في معركة بتاجوراء، ولم يمكث التارزي سوى سبعة أشهر في الحكم، وبويع بعده محمد الإمام المعروف بلقب شائب العين الذي عين الأميرال حسين قبطان وزيرا أول وهو من بنى جامع القبطان، كما قرب شائب العين خليل الأرناؤوطي الذي أرسله الباب العالي دايا على ليبيا عام 1673، بعد أن كشف مؤامرة لخلع شائب العين، وفي عام 1701 تزعم رجل تركي في الأربعين من عمره يدعى عثمان القهواجي كان له مقهى بسوق الترك الثورة ضد شائب العين، لكن القهواجي استمر في الحكم ثلاثة أشهر وثلاثة وعشرين يوما، ونصب الانكشاريون قبطان سفينة القيادة مصطفى غاليبولي دايا جديدا، وفي عام 1702 عاد خليل الأرناؤوطي الذي فر إلى مصر بعد سقوط حكم شائب العين، فجمع حشدا كبيرا قرب سرت وزحف بهم على طرابلس، وتحاشى مواجهة الجيش الذي خرج لملاقاته بقيادة مصطفى باشا بنفسه، وتمكن بسهولة من دخول طرابلس والاستيلاء عليها، وأعاد صهره شائب العين حاكما على البلاد، الذي توفي بمرض الطاعون عام 1706 ليصبح خليل باشا حاكما للبلاد، وفي شهر نوفمبر 1709 اندلعت ثورة أطاحت بخليل باشا بينما كان يقوم بجولة تفقدية داخل البلاد.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات