ليبيا الأفق المسدود!

أحمد الفيتوري |
أحمد الفيتوري

ليبيا التي تحتفي هذه الأيام بتحريرها من الفاشي المحلي 23 أكتوبر 2011، كانت احتفلت بتحريرها الأول من الفاشي الإيطالي في 24 ديسمبر 1951 حتى احتفالها الأخير قبل يوم الفاتح من سبتمبر 1969، من الفاشية إلى الفاشية واستراحة ثمانية عشر سنة فقط، قبلها كانت الولاية العثمانية الأخيرة في شمال أفريقيا، ومنذ يوم تحريرها الثاني وحتى الساعة ثمة محاولة مستميته لإرجاعها إلى ولاية في دولة الاستانة.

إذا التاريخ يبين أن البلاد الليبية رهينة الفاشية الدولية ثم رديفها المحلي وهذا والحق ما أنهكها وينهكها، فالجغرافيا جعلت منها مسألة دولية، وللنظر كم صدر من قرار أممي ومن مجلس الأمن يخص ليبيا، الجغرافيا كانت المسألة الحاسمة في تاريخ البلاد المتعدد الأقاليم والمتعدد الحروب، على هذه الأرض خيضت حروب ضروس منذ الحرب الأولي العالمية وحتى الثانية، وأضف ما خاضه النظام الفاشي المحلي من حروب مع الجيران وهنا وهناك في القارة وغيرها.

منذ احتفال ليبيا الأول بتحريرها الثاني وحتى الساعة دخلت البلاد في تحارب أهلي مدعوم إقليميا ودوليا، والتحالف الدولي الذي نشأ من دول غربية وعربية عقب صدور قرار مجلس الأمن 1973 في مارس 2011 مازال اللاعب الرئيس في المسألة الليبية، وبعد حفل التحرير الثاني في 23 أكتوبر 2011 دخلت ليبيا في فراغ سياسي في بلاد يفتقد لمؤسسة عسكرية وأمنية، بفضل النظام الفاشي المحلي الذي عمل على رفع شعار: الشعب المسلح، كي ينهي المؤسسة التي من خلالها سيطر على السلطة، وهذا حتما كان المصدر الرئيس الذي جعل من ليبيا دولة فاشلة أي لا تمتلك مقومات الدولة الراهنة، وفي هذا تنفرد عن دول الربيع العربي.

ليبيا في حالة اللا حرب واللا سلم

وقد صدر القرار الأممي 1973 لحماية المدنيين لكن سرعان ما جمد القرار عقب انتشار السلاح والدعم الإقليمي والدولي للأطراف المسلحة التي انتشرت في البلاد، خاصة الإسلام المسلح ما هيمن على العاصمة وبنك ليبيا، لكن لم يتمكن من السيطرة على النفط ما بقي مسألة ليست محلية لذا كلف من قبل الشركات الدولية فصيل مسلح بقيادة "الجضران" لحراسته لسنوات، واليوم هو بيد الجيش.
خلال هذه المدة منذ 23 أكتوبر 2011 وحتى اليوم هناك إقرار بفشل الدولة في ليبيا من كل الأطراف وعلى الأرض، لكن هناك إجماع بأن المسألة الليبية ليست شائكة وأنها المسألة القابلة للحل في كل الشرق الأوسط.

فـالمسألة الليبية:
1- تخاض على الأرض فيها مناوشات بين مليشيات صغيرة وبالتالي حربها أفقية وخسائرها أقل وعليه فليس ثمة تشابكات عسكرية معقدة، ومن هذا فالتقسيم على الأرض هو ناتج حيث كثافة تواجد هذه الميلشيات التي يتكثف وجودها في غرب البلاد في حين الشرق فيه جيش ينشأ تحت قيادة موحدة فيما الجنوب يخلو تقريبا من هذه الفعلية المسلحة مما يوسمه بأنه منطقة فراغ.

2- الجانب السياسي على الأرض يعاني من تشرذم يظهر في عدم وجود قوى مهيمنة، وحتى القوى السياسية التي تتخذ من الدين مبرر وجودها هي قوى متشرذمه، وجماعة الأخوان أبرز تنظيماتها في حالة انتحارية يبين ذلكم سياسته الشمشونية التي تعتقد أن لا خلاص لها إلا بتهديم المعبد على الجميع، أما القوى المدنية فمنذ تفريطها في مشروع التحالف الوطني لم تكن قوى فاعلة بل إنها ساهمت بحالها هذا في تثبيت الأفق المسدود.

3- يظهر هذا أن القوى العسكرية مفتتة وأن السياسية متشرذمه وأن لا قوى قادرة عسكريا وسياسيا على السيطرة على السلطة وبالتالي على البلاد، وهذا الضعف إن أحسن توظيفه يمكنه حل المسألة الليبية لكن الحال الحالي يساهم في خلق الأفق المسدود، وما التقلبات الحاصلة من شروط وشروط نقيضة من كل الأطراف إلا تعبيرا عن هذا الضعف البنيوي في بلاد موحدة وعلى الأرض دولة فاشلة.

4- تتمظهر الدولة الفاشلة في ليبيا بتواجد مؤسسات ميتة حية في الحوار السياسي ونتائجه مثل المؤتمر الوطني وحكومته، وفي مؤسسات حية ميتة كما مجلس النواب وحكومته، ومجلس رئاسة ولد خديجا ومن رحم مجلس النواب ما عمل على قتله، وهذا القتل ما ترغبه كل الأطراف المتعاركة ومن تظن أن ما بيدها الحل النهائي. مجلس النواب قتله إجماع سياسي يرى أن تواجده يعنى تواجد الشعب، ومن أوائل القتلة جماعة مجلس النواب ذاتها هذه الجماعة التي تشرذمت وذهب ريحها.

5- المسكوت عنه أن القوى القادرة والمتصارعة على السلطة هي قوى ليبية مجتمعية وسياسية ونخبوية وعسكرية ومدنية تتكون من:
أ- جماعة الحل العسكري، منها من يرى أن البلاد غير مؤهلة للديمقراطية ومن يأسها هذا تعمل هذه الجماعة من أجل إعادة إنتاج النظام الذي ثارت ضده، بهذا هم يعملون يعون أو غير واعين من أجل "عودة القذافي".
ب- جماعة الحل الديمقراطي، وهي جماعة تتحصن بالمشروع الدولي وترى أن ليبيا دولة الأمم المتحدة وأن البلاد كما لحظة تأسيسها الأولى هي الآن في لحظة استثنائية ولحظة تأسيس ثانية، ولأجل ذلك ترى أن الحروب الأهلية لا تبقي أخضرَ ولا يابسا وأن ليس ثمة منتصر ولا سلم اجتماعي، ومن هذا تستمد نفوذها أي من منطقها رغم ضعف فعلها.
ج- جماعة أثرياء الحرب وهي حريصة على بقاء الأوضاع بعلاتها، ووراء كل طرف ثمة قوى إقليمية أو دولية أو هما معا، وحتى طرف استدامة الحال وراءها أطراف إقليمية تعمل على تصدير أزماتها باستخدام المسألة الليبية كمسألة داخلية.
د- جماعة الحل الإسلامي هي جماعات صغيرة وعلى خلاف وتعاني من خلل بنيوي، هي تدعى أنها تريد بناء دولة دينية ما جعلها جماعة الإسلام المسلح لذا وصمت بالإرهاب ومارسته، وظهور داعش كان مبيدا رئيسا لها فمن خلاله تمظهر هذا التيار في صورة بشعة تجز الرقاب وتقيم سوق النخاسة وهلم جرا، عقب هذا ظهر من خلع ثوب الدين ولبس ثوب الدنيا كما يفعل الغنوشي وزمرته.

6- كل هذا يجعل من ليبيا ليست بالمسألة الملحة فالبلاد لا تعاني كثيرا ومنها إقليمها لا يعاني الكثير، وبالطبع على المستوى الدولي لا تحرك ليبيا أي راكد وليس ثمة احتمال من تفاقم وضعها، ليبيا في حالة اللا حرب واللا سلم في هكذا وضع بالنسبة لكل الأطراف المحلية والإقليمية والدولية تمنح حالة انتظار غودو: لا شيء يحدث ولا أحد يجيء.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : Mailoud Saad

    31.10.2016 الساعة 15:41

    افق مسدود لا مخرج منه إلا بحزام عسكري ( كحزام ايزنهاور العسكري في خمسينيات القرن الماضي ). يليه افق ( كافق جون كينيدي بداية ستينيات القرن الماضي ).يبعد عن الوطن ( لعنة ابن الساعاتي المروكي الاصل والمشكوك في ديانته..حسن البنا وترددات تلك اللعنة ).كما ابعدت (لعنة المكارثيه. عن امريكا ) والا على ليبيا السلام