كلما سمعتُ كلمة ثوار تحسستُ عنقي

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

مازال المصطلح الغامض (الثوار) يستخدم بكثرة لدى العديد من الذين يتحدثون في وسائل الإعلام ويستخدمونه كفزاعة ضد من يطالبون بإرساء دولة القانون، ومصطلح (الثوار) ظل ملتبساً للدرجة التي تحول فيها مع الوقت إلى مصطلح إرهابي، لأن المراد من مضغه احتكار الثورة والتغيير في أشخاص تصبح لديهم فيما بعد، الصلاحية في الخروج عن الشرعية أو في حمل السلاح خارج الشرعية أو في القبض والسجن والتعذيب والمحاكمة، ولعل تاريخ المحاكم الثورية يؤكد على هذا النزوع الإرهابي تحت لافتة (نحن من أسقط النظام ويحق لنا ما لا يحق لغيرنا).

كما استهلك هذا المصطلح من قبل تنظيمات (مثل جماعة الأخوان) بعد الربيع العربي لإقصاء الخصوم السياسيين من الطريق، مثلما بدأ الحديث في مصر عن ثورة الشباب، ثم اختزلت ثورة يناير في الشباب الذين بميدان التحرير بعد أن انضم لهم شباب لم يشاركوا أصلا، وكان تركيز جماعة الأخوان على الشباب وسيلتهم لإقصاء الخصوم الكبار، خصوصا اليسار المصري الذي كان له حراك مدني قديم يطالب بنهاية النظام منذ عقود، فتتم محاربة هؤلاء بمصطلح الثوار الشباب، ثم يتم الانفراد بالمشهد لأنهم يدركون أن الشباب غير منظمين ولا يملكون قدرة على المنافسة، وأن من لم يتم استقطابه منهم بالإغراءات المادية إلى مبايعة التنظيم يضيع مفردا في دهاليز الصراع. حدث هذا أيضا في ليبيا وإن كان بوسائل وطرق أخرى.

لقد بدأت الثورة (إذا صحت التسمية) في ليبيا كصدى لثورتي تونس ومصر، وأكد مؤسسو تنظيم 17 فبراير بالفيس بوك على سلمية هذه الثورة. بدأت في بنغازي وكان ما حدث في مدن الشرق الأخرى التي خرجت عن سيطرة النظام في أربعة أيام صدى لما حدث في بنغازي، ثم بدأ الحراك في الغرب الليبي كصدى لما حدث في هذه المدن.

لكن بمجرد أن تسلحت هذه الثورة كفت عن أن تكون ثورة وتحولت إلى تمرد مسلح ضد النظام القائم (ما شكل بيئة مناسبة لتغلغل الجماعات المتطرفة داخل هذا الحراك)، وسرعان ما توالت القرارات الإقليمية والدولية ليتدخل الناتو بغطاء جوي لهذا التمرد المسلح، ومصطلح (التمرد) يطلق تاريخيا على كل حركة مسلحة ضد السلطة القائمة (وعلى كلٍ مصطلح التمرد ليس سيئا حين يكون تمردا على سلطة ظالمة).

لكن لابد من التدقيق في استخدام المصطلحات التي صنعها التاريخ حتى لا تتحول اللغة إلى أداة خبيثة لدى من يحاولون إعادة إنتاج الاستبداد عبر تعيين أشخاص محددين كثوار، وإعطائهم كل الصلاحيات التي تحيلهم فيما بعد إلى تنظيم إرهابي يخيف الناس مثلما حدث بعد انقلاب 1969.

الثائر سلمي له أهداف تقدمية محددة يصل إليها بطرق سلمية مهما كان الثمن الذي يدفعه، أما المتمرد فهو من يحمل السلاح ضد السلطة القائمة الجائرة

وكان الثوار واللجان الثورية أو الشرعية الثورية هي الشعارات التي تم تحتها إقصاء النخب المدنية والسياسية وتم عبرها تدمير الجيش الوطني والمؤسسات القضائية. وهذا نفسه يحدث الآن بعد هذا الزواج غير الشرعي بين مفردات الثورة والدين في سياق لغوي واحد لتشكل هذه الخلطة عقيدة القمع الجديدة، فيطلق على الجماعات الإرهابية في بنغازي اسم (مجلس شورى الثوار) وهو خلط بين مفردات دينية ارتبطت بالتشدد وبين الثورة كمنجز شعبي مدني غايته العدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان، فمجالس الشورى تسمية ارتبطت غالباً في العقود الأخيرة بتنظيم القاعدة ثم بتنظيم داعش، بينما مصطلح (الثوار) كمفردة مكفرة من قبل هذه التنظيمات مصطلح تم دمجه في السياق ليفضي في النهاية إلى تسمية متناقضة في داخلها، وهذا الخلط أو التلفيق الذي يسم منهج جماعة الأخوان عموماً هو الذي جعل المجموعات المتشددة في مدينة درنة تنضوي تحت تسمية (مجلس مجاهدي درنة) بدل ثوار درنة، لأن مفرد الثورة والثوار مفردة طاغوتية بالنسبة لعقيدتهم الخاصة.

لقد بدأت تسمية (مجلس شورى) مع مصعب الزرقاوي المتمرد على شيخه أسامة بن لادن حين أسس تنظيما سماه مجلس شورى العراق في التسعينيات من القرن الماضي ليتحول فيما بعد إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش).

هذا اللعب بمصطلح (الثوار) في ليبيا الذي بدأه واستمر فيه المتحدثون من جماعة الأخوان، يلبي البنية الداخلية لهذا التنظيم الذي يحاول أن يخلط بشكل تلفيقي بين الفكرة الدينية المتشددة والمصطلحات السياسية الحديثة التي تجعل لهم قبولا لدى دوائر اتخاذ القرار الغربية. وهو تلفيق يجعلهم يخسرون الاثنين، يخسرون جوهر حركتهم الدينية المرتبطة بالدعوة ويخسرون طموحاتهم السياسية في الوصول إلى السلطة لأنهم تركوا مشية الغراب ولم يتعلموا مشية الحمام.

بالنسبة لليبيا، إذا صحت تسمية الثوار حسب دلالاتها التاريخية فهي تصح على كل الإرهاصات المدنية المقاومة للنظام منذ عقود، من الحركات الطلابية المتظاهرة سلميا في السبعينيات إلى المثقفين الذين سجنوا بسبب أرائهم المقاومة لتوجهات النظام المبكرة وصولا إلى أولئك المواطنين العزل الذين خرجوا إلى الميادين في 2011 منادين بسقوط النظام وبتأسيس الدولة المدنية والنظام الديمقراطي الضامن للعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان، وكل هذه الشعارات خسف بها من يسمون بالثوار أو مجالسهم، بل إنهم استبدلوا مشانق النظام السابق بالذبح، وحملات اعتقاله بالخطف، واغتالوا أضعاف أضعاف ما اغتاله النظام من أصحاب الرأي.

لذلك علينا أن نفرق بين الثائر والمتمرد، فالثائر سلمي له أهداف تقدمية محددة يصل إليها بطرق سلمية مهما كان الثمن الذي يدفعه، أما المتمرد فهو من يحمل السلاح ضد السلطة القائمة الجائرة، لكن مشكلته أنه لن يستطع فيما بعد التخلي عن السلاح الذي أصبح هويته والرجوع إلى حياته السابقة، وهذا ما يجعل الحروب في حركات التمرد تستمر لعقود، وما يجعل من التمرد يعود بحرابه إلى رفاق التغيير، لأنه استخدم نفس آليات النظام السابق وهو يطيح به وأدمنها، ومن ثم أحس أن لا شرعية لسواه في الاستيلاء على السلطة السابقة بكل قوانينها وسجونها وأدوات تعذيبها التي تتضاعف، لأنه، بعكس النظام السابق، مازال في بداية الطريق ومتعطشا للدماء وللسلطة وللمال.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات