المقهى الثقافي ورُهاب الجماعة

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

حول مقالة (المقاهي وتكوُّن النخب) التي نشرها الزميل القاص عمر الككلي، ببوابة الوسط 14 أغسطس 2016، التي أثار فيها العلاقة المتوجسة بين نظام القذافي وأماكن تشكل النخب بما فيها المقهى، أضيف بعض الملاحظات- وللحديث شجون- انطلاقا من أن النظام كان متقلبا ولم يكن هو نفسه خلال 4 عقود، وانطلاقا من طبيعة الشخصية الليبية وعلاقتها بمثل هذه الأمكنة أو الجماعات أو الطقوس عموما التي تشكل جزءا من تاريخ النخب الثقافية في العديد من مجتمعات العالم.

يرد في وصف النبالة أو الأجواد في الشعر الشعبي تميزهم بعدم الجلوس في المقاهي أو شرب الخمور، وهي محاذير اجتماعية وليست دينية في جوهرها: "لا يميعدوا في القهاوي .. ولا يشربوا الخمور" حيث ارتبط الجلوس في المقهى لدى العقل الشعبي البدوي بالكسل، أو (الصياعة) في أقل الاحتمالات (مع ملاحظة الفارق بين المجتمع الريفي والبدوي) فالمجتمع البدوي المترحل لا يزدري المقاهي فقط ولكن حتى الاستقرار والعمل في الزراعة (ويتضح هذا جليا في أنثروبولوجيا روايات إبراهيم الكوني).

لكن ما حدث تاليا فيما يخص النظام قد يرجع، في حقيقته، إلى رهاب مَرَضي من فكرة التجمع تسرب تلقائيا إلى حاشية هذا النظام التي حولت أفكاره إلى عقائد، فخوف رأس النظام من الجموع الذي ظهر جليا في كتاباته النثرية، خصوصا قصته (الفرار إلى جهنم)، التي تشكل مدخلا هامة لقراءة سيكولوجيته، جعله تدريجيا يقصي من المجتمع العديد من الأنشطة التي بطبيعتها تشكل اجتماعا للناس، مثل؛ السينما والمسرح ومدرجات كرة القدم والأندية والزوايا الصوفية التي هاجمها نظريا وتقريبا صادرها عمليا، ويأتي في هذا السياق الكثير من التجمعات النقابية أو المدنية التي كانت تُحاصَر بقوانين تجعلها تحت رقابة مشددة أو في خدمة النظام.

نعرف جيدا تلك الحملة التي أدت إلى اعتقال أهم المثقفين عام 1978، وكان التوجه لإقصاء وسجن نخبة محددة من المثقفين والمبدعين لأسباب أخمن أنها كالآتي: فهي مجموعة، إضافة إلى نتاجها الفكري والإبداعي، كانت تتمتع برأي مباشر فيما يحدث. كما كان معظمهم شبابا في مقتبل العمر ما يشكل من ناحية أخرى نوعا من الوساوس التي يمكن تسميتها رهاب الطليعة. كما كان يربط تلك المجموعة نوع من الصداقة أو الرفقة التي توحي للنظام بكونهم نواة تنظيم.

عجز هذه النخبة بعد سقوط النظام في تنظيم نفسها في اتحادات أو نقابات أو جمعيات أو منظمات مدنية يرجح فكرة الخلل البنيوي

شكل تغييب هذه النخبة فراغا واضحا في الساحة الثقافية الليبية، خصوصا في عقد الثمانينيات، الذي كان من أصعب العقود في مراحل النظام المختلفة، فهبوط أسعار النفط الذي استغله النظام في تنفيذ سياسة التقشف قابله ارتفاع في وتيرة العمل على تطبيق الكثير من لافتات النظرية الجماهيرية، ومن أهمها مصادرة القطاع الخاص برمته، بما فيه التجارة أو قفل المحلات التجارية جميعها. وتلقائيا اختفت المقاهي كفضاء يشكل جزءا من السوق التي تمت مصادرتها لصالح القطاع العام الذي شكل في النهاية ورشة عمل واسعة تعلم فيها الكثير من الليبيين ثقافة الفساد التي تفشت بسرعة وحتى الآن. يشكل كل هذا سياسات عامة لنظام عاش فوبيا الجموع والفزع من أي نوع من استقلالية أفراد المجتمع.

لكن المجتمع نفسه، حديث التكوين، كان يعيش أزمة بنيوية فيما يخص ثقافة العمل الجماعي والعمل التطوعي عموما، خصوصا ما سماه الككلي النخبة الثقافية التي غاب في تاريخها ظاهرة تكوين الجماعات، وحتى الجماعات الأدبية منها، وغابت فيها البيانات الجماعية بما فيها الشعرية أو الجمالية عموما، وأيضا، حسب علمي، غاب الدور البارز للمقهى بمفهومه الثقافي الذي أعطى للعديد من المقاهي الشهيرة هويتها الثقافية في العديد من المدن العربية، خصوصا؛ القاهرة، دمشق ، بيروت، وبغداد. أما مفهوم المقهى الثقافي كما عايشته في ليبيا فلا يعدو سوى كونه طاولة واحدة في ركن مقهى يلتقي حولها بعض الأصدقاء المثقفين، دون أن ننسى تلك الإرهاصات التي تشكلت في بعض مقاهي طرابلس، مثل مقهى زرياب ومقهى جنان النوار.

أذكر أني حضرت في طرابلس عام 2007 ملتقى للجمعيات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني، باعتباري رئيسا لجمعية بيت درنة الثقافي، واقتصرت مهمة ذلك الاجتماع على مناقشة القانون الجديد للمجتمع المدني الذي يأتي في ظل التوجهات الإصلاحية آنذاك، ورغم أهمية ذلك القانون الحقوقية إلا أني فوجئت بحماس الحاضرين للقانون السابق، لأنهم في الواقع كانوا رؤساء جمعيات تسمى خيرية يستثمرون أختامها في جمع التبرعات، ولا يريدون أية مغامرة تهدد مصالحهم، ما شكل ظاهرة للفساد أعلنت عن نفسها بقوة بعد انتفاضة فبراير عندما كانت التبرعات تصل إلى قائمين على منظمات مدنية وهمية بالملايين وبالعملة الصعبة.

كما فاجأني، أو بالأحرى لم يفاجئني، أن جمعية بيت درنة كانت الجمعية الوحيدة الثقافية الحاضرة أو الموجودة أصلا، كان معظم الجمعيات خيرية ذات شعارات دينية، وبعض الجمعيات الخدمية مرتبطة بالنظام أو تم تأسيسها من الجهات الفوقية وليس من القاعدة.

فهل كان هذا الإحجام من المثقفين نوعاً من الاحتجاج على النظام وقوانينه؟ أم كان جزءاً من طبيعة المثقف الليبي الذي يستهويه أن يعمل بشكل منفرد؟ أو بمعنى آخر؛ هل كانت الحجة التي تتخذها النخبة في ذلك الوقت بكون القوانين غير مناسبة لتشكيل منظمات المجتمع المدني هي الحقيقة أم أن ثمة خللاً بنيوياً في هذه النخبة التي تعجز عن إدراج مشتركها في مجموعات تتضافر من أجل أن تكون أشد قوة؟ أم ما تعرض له المثقفون في نهاية السبعينيات من سجن وقهر هو ما شكل الرهاب اللاحق من فكرة المثقف العضوي والعمل ضمن مجموعات؟.

لا أستطيع أن أقترح إجابة، لكن عجز هذه النخبة، بعد سقوط النظام، في تنظيم نفسها في اتحادات، أو نقابات، أو جمعيات، أو منظمات مدنية، يرجح فكرة الخلل البنيوي أو قصور ثقافة العمل الجماعي المنظم، التي عجزت عن تشكيل اتحاد كتاب ليبيين أو نقابة صحفيين وإعلاميين أو نقابة محامين، كان سيكون لاحتجاجاتها أو بياناتها دور مهم في هذه المرحلة الحرجة.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات