ما بعد الربيع العربي: إلى الخلف دُرْ!

أحمد الفيتوري |
أحمد الفيتوري

-1
عشت نصف القرن الأخير في عالم الكلمة الرئيسة فيه: عاجل، جاءت أنظمة عسكرية وذهبت أخرى، انقسمت بلاد وتوحدت أخرى، ولدت بلاد وماتت أخرى، سقطت إمبراطوريات وتفتتت دول ودويلات، ومنذ انهار الاتحاد السوفيتي- ما ظن أنه الجنة الأرضية والنظام البديع والنهائي الأبدي- وحتى قيامة الربيع العربي فإن الزلزال على حجم الكرة وبسرعة البرق.

لكن عاجل ما بعد الربيع العربي غدت كما الأكسجين ما لا أحد ينتبه أنه يتعاطاه في اللحظة عشرات المرات، ويبدو أن هذا الربيع، ما حصل في نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين وفي قلب العالم، موجاته قصيرة ومتتابعة وعاجلة حتى للمتابع الفاضي- كما الصحفي المختص- ما لا شغل له إلا نشرات الأخبار، وكما عاجلة فإنها تحدث في اتجاه واحد ومطردة، وإنها ما بعد الربيع العربي موجة مرتدة وعنيفة وموصومة بالإرهاب بغض النظر أينما تحدث وكيفما حدثت، ولعل السمة العامة للعالم بعد الربيع العربي هي النهوض اليميني الانقلابي والعنفي العنصري، وبعد أحداث سبتمبر 2001م صرح رئيس الولايات المتحدة حينها جورج بوش الإبن بأن الحرب الصليبية قد بدأت، أو كما قال فإنه بعد عقد من تصريحه هذا يبدو العالم كما في حرب دينية.

-2
المراقب يرقب مشهدًا من العالم القديم، كما من سيناريو فيلم تاريخي: البلدان تبني الحصون على حدودها، البشر في حالة هجرة يجتازون العقب البرية والمائية بسبل ووسائل عتيقة، الحروب الأهلية حروب دولية فالعالم كله يلعب بأصبعه في هذه النيران التي تتقد وفي قلب العالم القديم، وفي عصر المعلومات لا يخجل محرر الأخبار ووكالات الأخبار من تناقل أخبار مثل طائرات مجهولة، أما شاشات التلفزيون فتنقل عملية قتل وإرهاب بدائية كما لو كانت مشاهد سينمائية تصور في استوديو ما، والزعماء الجدد في الكثير من الدنيا يستعيدون مشاهد وأيقونات ومفردات ومترادفات من جينكز خان ونيرون والحجاج: إني أرى رؤوساً قد أينعت وقد حان قطافها.

ورغم أن البحر المتوسط له مضيق ضيق: مضيق جبل طارق، ورغم أن الشرق الأوسط هو العالم القديم فإن موجاته تنتقل إلى المحيطات وتكبر وتغمر الدنيا، فالمشاهد في تلفزيونات العالم تبدو مشهداً واحداً وبحاجة للتوصيف أنها تقع في استراليا أو ولاية أميركية... وهلم جرا، وما يردده الزعماء الجدد بحاجة للقول: إن هذا المتحدث هو المرشح الأميركي للانتخابات القادمة، وإن هذه زعيمة اليمين المتطرف في بلاد ثورة الإخاء والمساواة والحرية، وهذا من بلاد الهند وذاك من السند فـ«داعش» فيروس ينتقل عبر الأثير ويجتاز الحصون بل إنها خير سبيل لنقله.

-3
وينقلب السحر على الساحر، فما قبل الربيع العربي، وقبل عند خواتم الحرب الباردة اتخذ من الإرهاب وسيلة لحسمها، وقبل جربت الحرب النووية كمسك ختام للحرب الساخنة الثانية، ولم يعد بالإمكان إعادتها فالكثير من دول الحرب الساخنة صارت لها أسنان نووية، هذه الوسيلة غير النووية أي الإرهاب كانت الوسيلة المستعادة من العالم القديم لحسم الحرب دون تكاليف باهظة، لكن إعادة إحياء فيروس الطاعون في عالم بات قرية، كان ذلكم كالمستعير بالنار من الرمضاء، فذا الطاعون ينتقل وتنتقل عدواه عبر تويتر والفيس بوك، وكما كانا وسيلة للربيع العربي أمسيا الوسيلة المثلى لما بعده... وهنا أيضاً ضع هلم جرا.

-4
إن نيس واسطنبول وباريس وأزمير والولايات الأميركية و و و و... كما بغداد وبنغازي وتعز وسورية بقضها وقضيضها، وإن «ترامب» و«حركة حزب الشاي» الأميركية و «ماري لوبان» الفرنسية و«هوفر» النمساوي ووووو كما «البغدادي» يريدون إنشاء دولتهم المتعصبة الاستئصالية، ومن بريطانيا تبزغ الروح الانفصالية الانقسامية.

لقد بات العالم ما بعد الربيع العربي في حال: إلى الخلف دُرْ.
هذه الحقيقة تبين أن الموجة الأولى من هذا الربيع كانت الثورات، وأن الموجة الثانية كانت موجة الارتداد، فهل يصح هنا مبدأ الجدل الثلاثي المعروف المكون من الشيء ونقيضه ثم الثالث المرفوع الذي لم تَبِن له علامة حتى الساعة؟

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات