مهارات يحتاجها الناس

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

كانت وليمة باذخة، أقامها الصديق عدلي حنيش يوم 11 سبتمبر 2001. هذا اليوم الذي اعتبرته القاعدة مباركا والذي كان ينبغي أن أتعلم فيه "مهارات يحتاجها الناس". فبينما كنا نتناول بِدع المطبخ الليبي شاهدنا انهيار برجي مركز التجارة الدولية بمنهاتن، خيل لي أن الغبار الذي نهض مع الانهيار سيخترق شاشة التلفزيون ويفسد أطباق المحاشي. لا أدري من قال بعد معرفة التفاصيل: "كلوها!" ولكنني أذكر أن عبد المجيد الدرسي عقب: "والله ما (كليناها) إلاّ نحن! هذه مصيبة ستكون عواقبها وخيمة على العالم الإسلامي كافة والعربي خاصة".

عبد المجيد إعلامي متخصص منذ أن التحق مذيعا بالتلفزيون الليبي في نهاية ستينيات القرن الماضي مواصلا تخصصه بعد تخرجه في كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية. كان من البداية متابعا جيدا ومحللا إعلاميا فاطنا، أوصلته خبرته وتخصصه إلى مراكز إعلامية مهمة.

ظلت الكارثة أياما موضوعا للنقاش بين مؤيد ورافض. من بعد ثورة القذافي الثقافية، كان من الصعب دخول المطبوعات -خصوصا إن كان لها علاقة بالشأن الليبي- وكان عبد المجيد كثير السفر بسبب طبيعة عمله. أذكر أنه في رحلة من رحلاته أحضر لي كتابا لكيسنجر لا أذكر الآن عنوانه، فمن بعد حرب النفط، عندما تضامن العرب وأوقفوا تصدير النفط يوم 15 أكتوبر 1973 بدأت إثر ذلك أزمة اقتصادية عالمية خانقة، وبدأت خزائن العرب تمتليء بالمال جراء ارتفاع أسعار النفط. كان كيسينجر وزير الخارجية الأمريكية هو عراب سياستها. لوح في ذلك الكتاب بضرورة إيجاد طريقة لينفق بها العرب أموالهم لأنهم لو لم يفعلوا ذلك فسينتهي الأمر باستحواذهم على أموال العالم كلها.

تفكيك الشرق الأوسط مهدوا له بثورات الربيع العربي

وفي سبتمبر 1988 اندلعت حرب العراق وإيران. ثم غزو العراق للكويت سنة 1990 لينتهي المسلسل بغزو أمريكا للعراق بعملية عاصفة الصحراء سنة 1992. منها ضاعت العراق وجيشها وأموالها وما زال الصراع مستمرا بين طوائفها ومذاهبها إلى أن قام الربيع ومعه داعش ككتلة متطرفة جديدة لها رؤية وأسلوب مبتكران ومجهزة بأحدث الأسلحة والتقنيات، لينتشر في سنتين باتساع العالم العربي والإسلامي، فلا تمضي ساعة إلاّ وتذكرها قناة من قنوات العالم.

الربيع العربي، في تقديري هو المصيبة التي ذكرها أخونا عبد المجيد لأن المتابعين للسياسة الأمريكية يعرفون أن الأحداث المرعبة التي حدثت في العالم العربي طوال فترة حكم جورج بوش الإبن كانت من تخطيط نائبه (ديك تشيني) الذي ظل في المشهد السياسي الأمريكي من 20 يناير 2001 حتى 20 يناير 2009 وهو مخطط رئيسي للسياسة الأمريكية، وعليه يُلقى جورج بوش الأب أخطاء إبنه، وهو الذي قال عنه في كتاب (القدر والسلطة) الذي أعده (جون ميتشام): «إنه لم يعد يعرف الرجل الذي اشتغل معه لسنوات بعد أن تحول إلى شخص لا يبحث إلاّ عن القتال في أي مكان في العالم، في أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2001»، بل وقال أيضا إن ابنه ضحية رامسفيلد وديك تشيني.

ولقد أشار (بروس ريدل) الذي عمل 30 سنه بوكالة الاستخبارات الأمريكية ومستشارا لأربعة من رؤساء أمريكا في حوار أجراه مؤخرا بصحيفة الشرق الأوسط، العدد 13743 يوم الجمعة 14 يوليو 2016، إلى دور ديك تشيني في كل ما حدث ومازال يحدث نتيجة لأحداث 11 سبتمبر 2011 والتي جعلتهم باختصار شديد ينقلون الاقتتال إلى بلادنا، مُمولا بأموالنا ودماء أبنائنا. لقد استوقفت بكل تأكيد كل من قرأ الحوار الذي أشرت إليه، من الليبيين والسوريين جملته التي قال فيها: «إن غزو العراق مهد لتفكيك الشرق الأوسط وإن سوريا وليبيا ستختفيان».

تفكيك الشرق الأوسط مهدوا له بثورات الربيع العربي، ثم وظفوا المذاهب الإسلامية والأقليات والطوائف والأعراق وانتشر السلاح والاقتتال ثم طغى داعش على المشهد، ولا أحد بمقدوره أن يخبرك يقينا من أين جاءوا أو كيف تأسسوا ومن يخطط لهم ويمولهم. بل لم يقنعنا أحد كيف أن دولة أسقطت العراق في ثلاثة أيام عجزت عن استئصال داعش الذي ينتشر باقتدار باتساع العالم العربي، ويصل باريس وبروكسل ونيس ويقتل الأبرياء باسم الدين وتحت شعار لا الله إلاّ الله وأن محمد رسول الله.

ماذا تفعل الآن كي تتجنب أن تكون لاجئا-معدما- في المستقبل؟ الحصول على ثقافة جديدة والتمتع بمهارات يحتاجها الناس في كل مكان

لقد وصل الأمر حدا يدعو (دوترتي) رئيس الفلبين الجيش والشرطة لقتل المجرمين والمسلمين من دون محاكمات، ويدعو (هوفر) النمسا الاتحاد الأوربي لطرد المسلمين وإلاّ انسحب منه، ويقتل الهندوسي المتعصب (نرندا مودي) ألف مسلم ليصل إلى السلطة في الهند، وها هو ترامب أمريكا يتوعد بغلق المساجد وملاحقة المسلمين ومراقبتهم (بريموت كونترول) طوال اليوم.

هناك بالتأكيد الكثير من هذه الخوارق وكلها نتيجة (كلوها) التي قيلت في الخفاء باتساع عالمنا، وكان الرد باتساع عالمنا أيضا، ولكنه ليس في الخفاء. لم يعد لدي ما أضيف إلاّ تعقيبا بسيطا عن إجابة (بروس ريدل) على سؤال محاوره: «ماذا تفعل الآن كي تتجنب أن تكون لاجئا-معدما- في المستقبل؟» أجاب: «الحصول على ثقافة جديدة والتمتع بمهارات يحتاجها الناس في كل مكان». فمن يدل اللاجئين الذين هرموا، على تعلم مهارات يحتاجها الناس في كل مكان؟ مهارة غير التمسح بأعتاب الخونة واللصوص.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات