ركن العامرية.. عيد فطر سعيد وعرس بهيج..

فدوى بن عامر |
فدوى بن عامر

كم أتمنى أن يكون العيد القادم على كل الليبيين كما كان، خاليًا من القتل والتهجير والقهر وآلام الحروب التي الرابح فيها مهزوم.. مهزوم.. مهزوم.

انتهى شهر الصيام وأُفرج عن بعض النساء وسمحت الأخريات لأنفسهن بمغادرة المطبخ.. أعني التخفيف قليلاً منه. فالمطبخ قَدَر المرأة الليبية وليس أبداً قَدْرها.

والكثير من الأمهات الليبيات يجهزن لأفراح أبنائهن فالفترة بين العيدين غالبًا ما تكون موسم المناسبات السعيدة.

أما الزوج العزيز فيعمل طوال الوقت وطول العمر لتوفير المال للمباهاة الاجتماعية، أعني للمصاريف اللامتناهية، ليتم استنزافه ماديًا ونفسيًا خلال موسم المناسبات السعيدة. فتبتاع الأم جرامات وربما أرطالا من الذهب لكنّة المستقبل، وبعد تنسيقه بطريقة استعراضية يندى لها الجبين تتفاخر بالإبريز أمام الأهل والصويحبات، وتجهز بيت الزوجية لابنها وصالة الفرح وما لذ وطاب و«الدي جي» و«الزمزامات» وكل المستلزمات وما كلها بلوازم. أما الزوج فمستمر بالكدح أو اقتراض المال للطقوس اللامتناهية.

وتحت مسوغ الفرح وتمشيًا مع العادات والتقاليد العريقة، تهرول هي هنا وهناك، تجند بناتها وأخواتها وصديقاتها وحتى جاراتها، لإقامة حفل تحلم هي أن تُرضي به كل الأذواق وهذا بعيد النوال. يوزع ابنها هذا مئات من بطاقات الدعوة وينصب الآخر وأصدقاؤه الخيام وتُفرش النمارق و... والزوج العزيز... يعمل طول العمر لتوفير النقود للطقوس اللامتناهية.

لا زال الزوج العزيز يعمل طوال اليوم وطول العمر على توفير النقود لعرس بهيج آخر بعد عيد فطر سعيد

ويحل اليوم الموعود والعرق يتصبب من الذقون والرجال يتقافزون هنا وهناك وصاحبتنا وبعد إهدار هائل لطاقاتها ومال معيلها، بكل فرح تهادن آلام المفاصل وتتحايل على أوجاع الركب وتهدهد نغزات الظهر رغم أنها مازالت في عنفوان الشباب، لتستقبل المهنئات المتفحصات للشاردة والواردة..!! وبعد وداعهن بمحبة منقطعة النظير وبعدها بشهر وبعد التقاط أنفاسها وسكون خارطة آلامها، تقلب صفحات الذاكرة، عاصفًا بها الحنين، علّها تتذكر عرس ابنها، ترى ما كان لون فستانها وشكل تسريحة شعرها. تبحث في زوايا ذاكرتها عن صورة العريس الوسيم مع عروسه الجميلة، تبحث فيها عن صورة واحدة فقط تضمها معهما ومعيلها وذريتهما.. صورة لهم جميعًا لتضعها في برواز فضي أنيق وتعلقها في صدر الصالة ولكنها عبثًا تحاول...! تلجأ صاحبتنا لصندوق الصور لتفتش فتكتشف أنه لم تكن هناك صورة ولا أصل فلم يتبق حتى فتات ذكرى تقتات عليها ذاكرتها..!

اللافت أن المشهد المذكور المكرور يكاد ينطبق على كل الليبيات سواء من الكادحات أو المتعلمات أو المثقفات أو حتى المرفّهات المنعّمات بالمعنى الليبي للكلمتين. إنها الطقوس والعادات والتقاليد فحسب تلك التي تطوق الأرواح قبل الأعناق. وكما وصفه المرحوم النيهوم فإن الفرح الليبي قائم على أساس «انظر أنا أكثر منكَ مالاً وأعزّ نفرًا» وهذا هو مصدر السعادة..!

أما إن رغب الرجل والمرأة بتغيير المشهد فإن القيود المجتمعية تأسرهما معًا من الداخل، فهي مترسخة في نفسيتهما وأي محاولة للتخلص منها بحاجة إلى بأس شديد لمواجهة الضغوط الناجمة عن أي محاولة جريئة.

بالإضافة، أن الإنسان عدو ما يجهل، فالعيش في مجتمع منغلق يعتقد برفعة عاداته وسمو تقاليده لا يسمح أبدًا بالتفكير خارج الأسوار لأنه بصيانة الموروث فإنه يحافظ على حس الطمأنينة الداخلي ومستوى من التوازن النفسي الذي من شأنه مساعدة أفراده على مسايرة الحياة برضى وتقبل.

وقد تلخص كلمات الباحث مصطفى الحجازي المشهد الكلي بقوله إن المرأة في المجتمعات المسجونة فكريًا والمعتقلة ذهنيًا هي المحافظ الأول على الموروث والتقاليد وإن ظلمتها وهي بذلك تتبنى أسطورة الأم «تلك التي تتلخص سعادتها في استنزاف ذاتها تحت شعار العطاء».

هذا ولا زال الزوج العزيز يعمل طوال اليوم وطول العمر على توفير النقود لعرس بهيج آخر بعد عيد فطر سعيد..!! ولكن عرس من تراه سيكون هذه المرة ....؟ لا لا .. لا تظلموا الرجل...!!

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات