الموت كوسيلة للترفيه

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

عشنا في الطفولة حكايات الغولة والعفاريت والحيوانات الناطقة كحقيقة لا تقبل الشك في أذهاننا الصغيرة المهيأة لامتصاص كل معلومة، فالطفل وهو يتشكل ذهنيا لا يفرق بين الخيال والواقع ولا بين الجد واللعب.

الغولة التي تأكل الأطفال كانت بالنسبة لنا كائنا حقيقيا وموجودا، ومن الممكن أن نقابلها في أي مكان أو أي عتمة، وحكاياتنا البطولية المتخيلة التي نسردها على رفاقنا أو نتفاخر بها لا يراودنا شك بكونها كاذبة.

كل ما يعايشه الطفل يتسرب إلى لاوعيه، ويصبح جزءاً سيكولوجيا من سلوكه وردود أفعاله حتى بعد أن يتجاوز سن الطفولة واللعب.

تخطر على بالي كل هذه الذكريات والخرافات وأنا ألمح ملامح الأطفال وهم يلعبون بالبلاي ستيشن، وتلك الغبطة العالية وهم يحملون رشاشات ويقتلون البشر في الشوارع، أو يقصفون المدن بالطائرات، أو يقتلون رجال الشرطة بالجملة. وفي هذه السن الحساسة لا يفرقون بين الواقع واللعب، ولا بين لون الدم الطبيعي ولونه الرقمي، ولا بين المخيلة والواقعة.

يتسرب هذا العنف الرمزي إلى لاوعيهم وإلى استجابات جهازهم العصبي، ويمكث في أماكن عميقة من النفس، بل يعطل تلك الكوابح الطبيعية التي تمنع أحدنا من القتل، وتروض الضمير لفكرة القضاء على حياة إنسان أو مئات من البشر.

ثمة هندسة رقمية عالية الجودة والجاذبية تقتحم فضاء الأسرة والبيت وتسهم في تربية الأطفال في غرفهم المعزولة

ثمة هندسة رقمية عالية الجودة والجاذبية تقتحم فضاء الأسرة والبيت وتسهم في تربية الأطفال في غرفهم المعزولة، وتزيح بإبهارها الأخاذ كل مصادر المعرفة أو مؤسسات التربية التقليدية، هندسة جينية تجعل من الموت تسلية وترفيها ومصدر غبطة لا متناهية، وتفتك بالضمير الإنساني الذي تربى على اعتبار القتل جريمة وخطيئة كبرى عبر تكرار طقسي للقتل الرمزي، فيتشكل نوع من البرود تجاه فكرة القتل في جزء كبير من أجيال كاملة، ما يجعلنا في النهاية نرى موبيلات الأطفال وهي مكتظة بمشاهد القتل وقطع الرؤوس وبالأشلاء البشرية التي يتفرجون عليها بمرح وبرود.

والغريب أن جل التحليلات الاجتماعية والنفسية تتجاهل مثل هذه البرمجيات الشريرة، وتذهب إلى تفسيرات لهذه الظاهرة مردها إلى الفقر والبطالة وغياب التنمية وغيرها، من الفتى المرفه الذي يطلق رصاصا على رواد دار سينما أو طلاب مدرسة في أمريكيا إلى المراهق الذي يتزنر بحزام ناسف ويفجر نفسه بسوق شعبي في حي فقير. تذهب التحاليل إلى كل هذا الترف الفكري الاجتماعي مع أن أجيالا سابقة عاشت كل أنواع هذا الفقر وأكثر دون أن يتولد لديها هذا الكم من العنف، ومن القدرة على القتل الجماعي دون تأنيب من ضمير.

يضاف إلى ذلك النقد الموجه إلى المناهج الدراسية التي ينظر إليها كإحدى أسباب التشدد والعنف، لكنْ أجيال سابقة بما فيها جيلي درست هذه المناهج وأسوأ منها، ورغم ذلك كنا جيلا منفتحا متعلقا بكرة القدم والموسيقى ورسائل الحب وبالتقاط الصور مع الأجانب الذين كنا نحترمهم، وبجدران الغرف المليئة بصور الممثلات والمطربات، ولم تراود تلك الأجيال أية نزوعات تكفيرية أو عنيفة تجاه الآخر، فهل بوصلتنا في تحليل الأزمة تشير إلى الجهة الخاطئة فتصبح كل محاولات علاج هذه الظاهرة خاطئة؟ فالمناهج المؤثمة تستحق النقد فعلا، لكنها لا تشكل شيئا مع وسائل المعرفة والترفيه الحديثة التي تطبق على وقت ووجدان وأعصاب وتفكير الأطفال الذين عايشوها، بل إن ما نشاهده الآن من سلوك الجماعات الإرهابية ومن ملابس وطريقة مشي واكسسوار ورايات مأخوذ كله من فيلم الرسالة الذي طرح فترة الإسلام الأولى بشكل انتقائي يخدم النزوع المتشدد، لأن الصورة والتقنية الحديثة وألعاب الفيديو هي التي تسرب منتجها إلى أعماق المتعلق بها ومن ثم إلى جهازه العصبي وحركة ذراعه.

الأمر خطير جدا والشركات الكبرى تسوق هذه البرمجيات لتجني المليارات من هوس وإدمان الأطفال عليها، وبمجرد أن تقوى أعوادهم تستلمهم شركات تصنيع الأسلحة الكبرى، لتتحول لعبة البلاي ستايشون من العالم الافتراضي في الغرف المقفلة إلى لعبة دموية في الهواء الطلق، وفي الشوارع والساحات من قرية بائسة في افغانستان إلى ميادين باريس وبروكسل واسطنبول.

السؤال الذي يفرض نفسه: هل سيتحول كل الأطفال الذين تعرضوا لهذا الغسيل الذكي إلى قتلة، أو متعاطفين مع العنف؟ وربما ستنحو محاولة الإجابة عليه إلى مسألة الاستعداد لمثل هذه التأثيرات، الاستعداد الفطري أو الجيني، سمه ما شئت، مثلما ينحرف البعض المستعد في السجون المتخلفة وينجو البعض المحصن ضد هذه البيئة المساعدة. فلماذا في الأصل نخلق هذه البيئة المساعدة للأطفال أو المراهقين الذين عندهم الاستعداد للعنف؟ والخطر يكمن في كون هذه البيئة تتمتع بأقصى درجات الترفيه والإمتاع ومعرضة للإدمان عليها.

هذا العنف، سواء كان خارجا من أحياء نيويورك الراقية أو من أفقر الأحياء الشعبية هو ابن الحداثة أيضا، الراضع من أحدث التقنيات

السؤال الآخر: ما علاقة التشدد الديني والعنف الجهادي بألعاب البلاستايشون؟ وسأقترح إجابتي بكون الطفل يلعب ويقتل رمزيا لمجرد التسلية، دون قضية يحملها أو مقصد، وبمجرد أن تروض كوابحه تجاه الشر، يكون جاهزا سيكولوجيا وبيولوجيا أيضا، فيبحث عن تلك التنظيمات الدموية لمواصلة لعبته التي تدرب عليها مثلما يتدربون الآن على قيادة السيارات أو الطائرات عبر هذه البرمجيات، أو تتلقفه تلك التنظيمات لتوجيه طاقته وفق مصالحها، ولأنه لم يعد يلعب مجانيا فإنه سيبحث عن قضية يفرغ عبرها شحناته، وليس أفضل من أن يعتقد في النهاية أن هذا النزوع سيوصله إلى الجنة ليقتل دون أن يحس بذنب أو جريرة.

كل ذلك يجعلني أكرر ما ذكرته في مقالات سابقة بكون هذا العنف، سواء كان خارجا من أحياء نيويورك الراقية أو من أفقر الأحياء الشعبية هو ابن الحداثة أيضا، الراضع من أحدث التقنيات التي اخترعها الخيال الإنساني والمستخدم لها أيضا في تطوير أساليبه الإجرامية، أو بمعنى آخر الرغبة الهستيرية في تجميع المال لا تتورع عن فعل أي شيء بما في ذلك تسويق ورش لغسيل الدماغ والتدريب على القتل عبر رقاقات إلكترونية متناهية الصغير ومتاحة في كل مكان وغير مكلفة.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات