ركن العامرية.. "تضحكي!"

فدوى بن عامر |
فدوى بن عامر

"تضحكي يا بن عامر.. انزلي.. أوقفي هنايا". ووقفتُ في بلادي كاللوح بجانب اللوح والطبشور، وأمام مئة أو يزيد من طلبة السنة الجامعية الأولى ريثما تأتأ دكتور الكيمياء الخائب، بوجه يقطر تجهمًا ووجومًا، وواصل تأتأته المملة وأكملها بانتهاء المحاضرة، عن قلة أدبي لابتسامة كنتُ قد صدّرتها لبعض من الصديقات. ومن يومها لم يرَ ابتسامتي أو حتى وجهي!.

وعندما تبسّمتُ يومًا، نهرتني المعلمة وقالت الضحك من دون سبب من قلة الأدب!. مشهد عادي جدًّا وفيه يكمن خطر جسيم، فهو تجسيد قبيح للسلوك الفصامي، ذلك المرض العضال الذي يعانيه الكثير من أفراد مجتمعنا.

قبل ذلك كنتُ في المدرسة في بلادي ومعي الآلاف من الأولاد والبنات حيثُ رددنا جميعًا كالببغاء "تبسّمك في وجه أخيك صدقة"، وعندما تبسّمتُ يومًا، نهرتني المعلمة وقالت الضحك من دون سبب من قلة الأدب!.
مشهد عادي جدًّا وفيه يكمن خطر جسيم، فهو تجسيد قبيح للسلوك الفصامي، ذلك المرض العضال الذي يعانيه الكثير من أفراد مجتمعنا.

على أية حال ساقني القدر مشكورًا بعد إنهاء السنة الجامعية الأولى، للانتقال لإحدى الدول المتحضرة والتي لا يعاني أفرادها مرض السلوك الفصامي اللعين ذاك.

وهناك هاجمتني الابتسامة منذ الدقيقة الأولى التي حطت فيها قدامي أرض المطار حد أنها أذهلتني فتلعثمتُ ولم أدر ما العمل، أأتبسّم وتكون صدقة أم أدسّ البسمة في نفسي كي لا تكون قلة أدب وتأدب!.

ودسستها، بل دفنتها في التراب حيثُ كنتُ قد فعلت منذ أعوام وكتبتُ نعيها في الصحيفة الرسمية. إلا أنني هناك في الغربة كنتُ أقطع الطرقات فإذا التقت عيني عين إنسان تبسّم لي على الفور. أما أنا فلم أدر ما العمل!. وازداد الأمر تعقيدًا عندما انطلقتُ لتعلّم لغة أهل البلاد فإذ بمدير المدرسة يبتسم لي (بدون سبب) كل صباح ومساء والمعلم أيضًا، ولم أدر ما العمل. وابتسم لي أصحاب المحلات (بلا سبب) وكذا سائق الباص وحارس العمارة.

وبدأت الدراسة الجامعية وكان الأساتذة فيها يشرحون وينظرون ويبتسمون وعمال النظافة أيضًا تبسّموا لي كل يوم. وكان رئيس الجامعة يتدرج في الممرات العريضة مبتسمًا لي وللجميع ولنفسه أيضًا. أما ساعي البريد فكان صاحب ابتسامة مميزة للغاية وبائع الحليب والجرائد.

وازداد ذهولي وتلعثمي عندما ابتسمتْ لي القطط والكلاب وهي لعيني ناظرة ولم أدر ما العمل فأنا حقًا أخاف القطط والكلاب الليبية. ولكن هذه لم تكن ليبية.

قال لي شيخ منهم كبير بعد أن نظر إليّ ملوحًا بابتسامة "ألا تبتسمون في بلادكم على الرغم من إشراقة شمسكم وتوهج وجوهكم!"

وفي العمل كان مديري دائم التبسّم ومديره أيضًا، أما زملائي فقد ربطتني ببعضهم أواصر صداقة فكانت الابتسامة على الثغر ساطعة على الرغم من مشاكلهم اللامتناهية.

مرضتُ يومًا ودخلتُ المستشفى وحدثتني نفسي أن لن يبتسم لكِ أحدًا، ولدهشتي فقد اُستقبلتُ بالابتسامات ووُدعتُ بها أيضًا ولم أدر ما العمل.

قال لي شيخ منهم كبير بعد أن نظر إليّ ملوحًا بابتسامة "ألا تبتسمون في بلادكم على الرغم من إشراقة شمسكم وتوهج وجوهكم!" ولم أدر ما أقول فاستطرد وقال "ابتسمي يا بُنية فالابتسامة معدية، هي تطري القلب وتنعش الروح. ثم أنكِ تبدين أجمل بكثير وأنتِ مبتسمة". ولم أحتمل ونطقتُ أخيرًا "بلى نحن نبتسم ونحن متجهمون. هكذا هي ابتساماتنا الليبية!" التفت إلى وصفعني بأجمل ابتسامة رأيتها في حياتي.

وفجأة دق ناقوس جميل في رأسي اليافع حينها فأخذتُ ألهثُ وأنثر الصدقات على الإنسان والزهور والأشجار والمطر المنهمر والحمام، فكان الجميع يرد عليّ بابتسامة أحلى وأجمل وكل بطريقته.

ورجعتُ لبلادي وأول ما حطت قدماي ترابها ورأيتُ الوجوه الطيبة تذكرتُ أننا شعب يبتسم دائمًا بوجوم قاسٍ. لم لا والشعب المحافظ جدًّا يرغب بنيل ثواب الصدقة دون أن يَمَسُّه توبيخ المعلمة!

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات