محللون تحت الطلب

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

(The less you know the better of you are.) ، هذا المثل الإنجليزي الشائع يستدعيه المفكر الفرنسي، بيار بورديو، في كتابه المهم "التلفزيون وآليات التلاعب بالعقول" ترجمة وتقديم : درويش الحلوجي .
المثل يقول : كلما عرفتَ أقل كلما أصبحت أفضل.

ولكن أفضل بالنسبة (لمن؟) في السياق الذي يعنيه بورديو في صدد تحليله لنوعية الضيوف الذين تفضلهم القنوات التلفزيونية للحديث عبر شاشتها، أولئك الذين يطلق عليهم في الولايات المتحدة اسم (Panelists) من يمثلون تلك القائمة في دليل هواتف التلفزيون والذين دائما تحت الطلب، وهم عادة يتحدثون كثيرا وبحماس دون أن يقولوا شيئا، وغالبا دون أن يجيبوا على أي سؤال، لكن تحت ذريعة مدى استجابة الجمهور لهذا النوع من المتحدثين يصبحون هم الأفضل.

فالصحفيون- كما يستطرد بورديو- "الذين يتذرعون بأن ذلك هو ما يطلبه الجمهور حين يبررون سياسة التبسيط الديماغوجية هذه، لا يفعلون إلا إسقاط نزعاتهم الخاصة على رؤيتهم للعالم؛ وبخاصة عندما يدفعهم الخوف من الملل إلى إعطاء الأولوية للعراك بدلاً من النقاش، للخلاف والهجوم بدلاً من الجدل. أي لوضع كل شي موضع التنفيذ لتفضيل المواجهة والصدام بين الأفراد (ورجال السياسة تحديداً) بدلا من إبراز وتحديد المواجهة بين حيثياتهم".

بهذا النهج التلاعبي بدأت قناة الجزيرة لعبتها (أستحضر الجزيرة كنموذج واضح لكن المعني هو التلفزيون عموما) واستقطبت المشاهدين بمثل هذه البرامج التي تقدم عرضاً كلامياً (Talk show) ، فاستهوت المشاهدين تلك المشادات والشتائم والسباب الشوارعي دون أن يعيروا اهتماما لما يقال لأنه في الواقع ليس ثمة ما يقال.

مقدم البرنامج هو الذي يقود هذه اللعبة فيقوم بتدخلات حاسمة وهو الذي يفرض الموضوع ويفرض مسار الحديث فيه

الضيوف عادة ما يكونون نكرات، وغير معروفين إطلاقا في المجال الذي يتحدثون عنه أو المواقف التي يدافعون عنها، وهم مطلوبون جدا في وسائل الإعلام بقدر قلة معرفتهم بالمسألة المثارة، لأن من يعرف سيكون موضوعيا وسوف لن يتقبل الإهانة أو الشتيمة من مقدم البرنامج نفسه أو من الضيف الذي على طرف نقيض تام. هم فقط مجرد أشخاص قابلين لأن يشتموا ويهانوا أمام الملاين مقابل حفنة دولارات.

وتذكرني هذه الحلبة الكلامية بالعروض المزيفة للمصارعة الاستعراضية التي تحشد الملايين رغم أن الخصوم متفقون على سيناريو المواجهة ونتائجها مسبقاً. يتواطأ أحد المصارعين ليفعل به الآخر ما يشاء، يضربه على وجهه بشكل سينمائي، يحمله على أكتافه ويرمي به فوق الأرض، والجمهور يصرخ، وفي اللحظة التي تعتقد أنه انتهى تماما ينهض بقوة مضاعفة مع استفزاز الحكم له (مقدم البرنامج في حالة الندوة التلفزيونية) ينهض بقوة مضاعفة ويستلم زمام المبادرة ويستسلم الآخر له، وهكذا، ويدور كل هذا الصراع الثنائي المزيف وسط حالة هستيرية تجتاح الجمهور الذي يدفع من جيبه لكي يستمتع بهذه العروض العنيفة رغم أنه يعرف في قرار نفسه أنها خدعة وتلاعب، وأن هؤلاء المصارعين ذوي الأجسام الضخمة والوجوه المكشرة هم أشخاص يكسبون قوتهم من هذا الركل واللكم والرفع والخبط على الأرض.

إنهم- يقول بارديو- "عبارة عن شركاء (يوجد في الولايات المتحدة الأمريكية أفراد يكسبون قوت حياتهم عن طريق الاشتراك في المواجهة المباشرة وجها لوجه لثنائيات من مثل هذا النوع. إنهم أفراد يعرف بعضهم بعضاً جيداً) يتناولون الغداء معا، ويسهرون ويتناولون العشاء معا". ويشير بورديو إلى برنامج الجوينول تحت اسم (بالمعكوس) برنامج تقدمه يوميا القناة الرابعة بلاس، ويسخر من الشخصيات العامة ورجال السياسة الذين يظهرون مختلفين بطريقة مصطنعة تماماً.

وبالمعكوس يحيلنا إلى برنامج (الاتجاه المعاكس) الذي يقدمه فيصل القاسم في قناة الجزيرة، فشروط هذا البرنامج لكي يتحول إلى الإثارة الجماهيرية، أن يتفق المشاركان على أن لا يتفقا أبدا، وأن يكون الاختلاف بينهما مثل اختلاف الملاكمة الاستعراضية التي لا قواعد اشتباك أخلاقية لها، وأن يكونا مستعدين لكل أنواع السباب والإهانة، والأهم من ذلك أن ينطبق عليها المثل السابق، كلما قلت معرفتهما بموضوع الحوار كلما كانوا أفضل. بمعنى أن تحل الفرجة الهستيرية محل الفائدة.

وعلى الحكم (فيصل) أن يعرف كيف يشعل الخلاف إذا ما أحس أن الضيفين اتفقا على نقطة ما أو هدأ أوار المعركة، وعليه في هذه الحالة أن يُقوِّل أحدهما ما لم يقله عن الآخر ويطلب منه الرد بسرعة (كأن يقول: إنه يقول عنكم إنكم كذابون ومنافقون وتقولون ما لا تفعلون إلى غير ذلك) فينفعل الثاني ويرد بعنف رغم أن الضيف لم يقل أي شيء من هذا عنه. ومن هذه المهنة، التي تشبه مهنة مروجي مصارعة الديكة، يكسب مقدم البرنامج رزقه.

مقدم البرنامج هو الذي يقود هذه اللعبة ، فيقوم بتدخلات حاسمة، وهو الذي يفرض الموضوع ويفرض مسار الحديث فيه، وهو الذي يفرض الإشكالية التي غالبا ما تكون بلا معنى: "إن كل الإجابات سواء كانت بنعم أو لا هي إجابات بلا معنى أيضا".

يقول المقدم: لم يتبقَ لنا سوى دقيقة من الوقت.. أرجو الإجابة باختصار، ويطرح سؤالا يأخذ من الدقيقة ثلاثة أرباعها، وهو سؤال ربما يحتاج إلى مجلد للإجابة عنه، لكنه في هذا السياق يصبح بلا معنى، يرتبك الضيف ويقول جملة غير مفيدة، يقاطعه المقدم: وصلت الفكرة وصلت الفكرة ، وهي عبارة بديلة لفعل (اخرس أو أقفل فمك)، في الواقع طيلة البرنامج لم يكتمل معنى أو تصل أية فكرة للمقدم أو للمشاهد.

الفكرة الوحيدة التي تصل هي أن التلفزيون الذي من المفترض أن يكون "أداة رائعة للديمقراطية يتحول إلى أداة للقمع الرمزي" كما يقول بورديو.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات