من شهقات الروح والريح

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

قبل أن يدخل أخونا الأديب خليفة الفاخري في غيبوبة رحيله، أشار لي أن أقترب منه وطلب مني بخفوت أن أبلغ أصدقاءه: محمد كانون، جمعه اعتيقه، وأحمد أعبيده، بحقيقة مرضة، وأنه في طريقه إلى الله.

ثلاثتهم كانوا مقيمين في طرابلس. صعدت روحه إلى خالقها. عتيقه وكانون وصلا يوم أن وسد الثرى، وبقيا حتى حضرا تأبينه. كان الفاخري قد بُلغ رسميا بقرار رابطة الأدباء والكتاب بتاريخ حفل تكريمه، أحسست بسعادته، وهو يطوف على أصدقائه ويدعوهم للحفل.

قال لي قبل رحيله بأسبوع: "يا خويا، يمكن أنا ميت ومش عارف. العالم، في العادة، يكرم الناس بعد موتهم!". في تأبينه رثاه صديقنا الدكتور جمعه عتيقه بقصيدة أخذت أنفاس الحاضرين. تقول بعض أبياتها:

إيه (يا جنقي) من أعطاك إذنا بالرحيل
هل تشاورت مع الأطفال
(في سوق الحشيش)
هل تحصلت على تأشيرة (القعمول)
والزيتون والعرعار
في سيدي (خليفة)
هل أتاك الإذن من
أمواج (جليانة)
ومن حبات رمل البحر
في شط (اللثامة )
إيه يا عُرَوةَ هذا الزمن الموحش
يا فارس جيل الكبرياء
لم غادرت ولم تُكمل
حكايات المواسم
لم أبحرت وأشرعت المراكب
وامتطيت الريح
محفوفا بأجنحة النوارس
لم غادرت ولم تلق علينا
مقطع الشعر الذي أحببته رددته
في فواتيح المساءات الجميلة
(يا جفني الساهر نم )
(قد رقدت حتى الظُلم)
نام جفنك بعد أن كلّ السهر
بعد أن كحله هم البشر

خطرت علىّ هذه الابيات، عندما رافقت جمعة أثناء وعكة صحية أدخلته مستشفى السلام بالقاهرة، وفيما كنت ألتقط له صورة فوتوغرافيه، قال لي ساخرا: "هكذا ابتدأت لعبتك مع جنقي، من صورة لحفل التكريم إلى زردة في السماء" وأخذنا نستعيد ذكرياتنا الجميلة مع جنقي، فخطر لي أن ألخص لكم ما سمعته من عتيقه، فله جوانب قد لا يعرفها الكثيرون، فهو مجموعة إنسان، مجموعة إمكانيات ومواهب هائلة ومتشابكة، فهو السياسي المناضل، الحقوقي، الشاعر، الثائر، المؤرخ، النديم الممتلئ شعرا وثقافة وفكاهة.

قلتُ له مناكفا: "من أعطاك إذنا برثائه؟" ثم توالت أسئلتي وإجاباته فكانت المحصلة كالتالي:
"إنها ابيات من خاتمة قصائد ديواني الأول (شهقة الروح والريح). كتبتها بعد يوم أو اثنين، من بعد آخر مكالمة بيني وبينه. كان كما تعلم سعيدا بحفل التكريم، كنا نتحدث باستمرار عن ترتيبات إقامته في بنغازي، فلقد كنت ضمن مجموعة الأدباء والكتاب، الذين قرروا إقامته، كمحاولة لإنصافه من الجحود والنكران، والتجاهل الذي كان النظام السابق يعامل به قامة فكرية وطنية مثل الفاخري.

قال لي خليفة:" أحس وكأنني أم العروس مشغولة، ولكنها لا تقوم بشيء". فرحته بتلك المناسبة كانت بسبب علمه بأنها انتظمت من خلال أصدقائه ومعارفه، وليست بأوامر الدولة. هناك علاقة بين هذا النص وسنوات الوعي وبواكير التكوين، فخليفة الفاخري كان أحد الأسماء التي شدتني في نهاية ستينيات القرن الماضي، بمقالاته المتميزة في جريدة الحقيقة.

كان يرى أن الانسان جزء من الإنسانية كلها. جزء من كل. أذكر أنه أسهب في شرحها ذات ليلة من خلال أبيات للبياتي تقول، فيما أذكر: " توحد الواحد في الكل .. والتحم الظل في الظل".

الواقع أن جريدة الحقيقة، في ذلك الوقت، كانت بؤرة إشعاع ثقافي متميز، كان صادق النيهوم، رشاد الهوني، محمد الشلطامي، أمين مازن، على فهمي خشيم، حسين مخلوف، أنيس السنفاز وعبد المولي دغمان من التنويرين التقدميين، الذي فتحوا الأبواب والنوافذ لأفكار نيرة، جعلتنا، فيما بعد، ننتبه إلى وقع الأحذية العسكرية في ردهات الجامعة.

كان خليفة الأقرب إليَّ ممن ذكرت من هؤلاء الأدباء، كنا نلتقي في محبة الكلمة وقافية الشعر، فلخليفة ملكة استظهار عجيبة، حتى أنه كان يقرأ ديوان شعر كاملا من دواوين نزار أو البياتي. كانت أحلامنا وطموحاتنا متقاربة لدرجة كبيرة: نريد أن يكون لنا وطن يليق بتاريخنا، وبتحقيق آمالنا، في أن يحيا شعبنا كغيره من شعوب الأرض المتمدنة الصاعدة.

كان القذافي ضابطا برتبة ملازم في معسكر قاريونس وكان يتردد علينا في مسكننا يتحدث في الشأن العام بكثير من السطحية والقصور في الفهم والتصور

كنتُ طالبا في كلية( الحقوق) بالجامعة، آنذاك، وكانت الجامعة، بالفعل، جامعة وهذا أمر يحسب للنظام الملكي، الذي راهن على التعليم كطريق للنهوض وبناء الدولة الوليدة، فأنفق على التعليم من دون تقتير رغم الفقر والفاقة وقلة الموارد.

وجاءت سنة 1969 برياح عاتية ترنحت بعواصفها سفينة الوطن، لتدخل ليبيا حقبة حالكة، قوامها التصحر الثقافي، والعبث السياسي، وغياب الحكم الرشيد، وذلك ما أجج ضمير الوطن، وأصدر أمر المعارضة، عندما بدأت الأحذية الغليظة تستبيح كل شيء رائع وجميل على أرض الوطن، وبدأنا نشعر كأبناء لجيل التطلع والتوق أن الآمال بدأت تخبو، والأفق نحو الانسداد، ونظام العسكر الجديد بدأ يسفر عن وجه تدميري، يتجه مبكرا نحو تدمير أسس بناء الدولة، ليكرس تجربة عبثية، عدمية، غرائبية تقود إلى تكريس حكم فردي شمولي مدمر.

وقد أعلن النظام ذلك على الملأ سنة 1973م في خطاب زواره، أو ما أسماه بالثورة الثقافية والإدارية. هل أذهب بك إلى ما قبل ذلك؟ فيما يتعلق بتجربتي الخاصة: فأنا عرفت معمر القذافي منذ سنة 1968، حيث كنت أسكن في ميدان البلدية في بنغازي مع صديق مشترك من مدينة مصراته هو السيد مفتاح كعيبة، الذي كان يعرف معمر منذ أيام الدراسة الثانوية. كان القذافي ضابطا برتبة ملازم في معسكر قاريونس. وكان يتردد علينا في مسكننا، يتحدث في الشأن العام بكثير من السطحية والقصور في الفهم والتصور.

استعراض أجوف يدعي الناصرية، التي يختصرها في بعض الجمل والمقاطع المحفوظة من خطب الرئيس عبد الناصر. كان انطباعي عنه سلبيا، ولي على ذلك شهود. كنت أحس أنه ممثل بارع يظهر الوقار والتدين بينما تشي تصرفاته بمشروع، منقطع النظير للخداع.

وعندما تمكن من السلطة وعين رئيسا لمجلس قيادة الثورة، وقائدا أعلى للقوات المسلحة، وأيقنت بأنه من يقود (التغيير الانقلابي) جاءني الأمر بالمعارضة، وساهمت بجهد متواضع في التصدي الفكري للنظام الفاشي، الذي بدأ يسفر عن وجهه القبيح، وشاركت في النشاط الثقافي والحراك السياسي قبل سنة 1973م أذكر منها (ندوة قورينا) سنة 1972م التي رفعت في إحدى هذه الندوات شعار صريحا: (عودوا إلى ثكناتكم أيها العسكريون). شارك فيها بفاعلية كل من: عبد العزيز الغرابلي، فتح الله انديشه، محمود شمام، على الريشي، امحمد شعيب ورجب الهنيد.

تلك المعطيات قادتني موضوعيا إلى صفوف المعارضة والمواجهة، وهي التي قابلها النظام بأدوات القمع والإقصاء والاستئصال، فكان أن اعتقلت في أبريل سنة 1973 وسجنت مع نخبة كبيرة ممن توسم النظام فيهم نفسا معارضا على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم وتوجهاتهم. بعد تلك الندوة، تغيرت هيئة تحرير مجلة قورينا، فأقيل فيصل فخري السنوسي، واستبدلوه بعلي بوزعكوك، فوصلنا في السجن، من بعد توليه رئاسة التحرير أول عدد منها، استهل بلقاء مطول مع معمر القذافي قائد الثورة!".

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات