تبا للمخادعين

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

لعلها المرة الخامسة التي أتخذُ من العمود اليومي الذي ينشره الكاتب المتميز سمير عطا الله بصحيفة الشرق الأوسط، موضوعا لمقالتي الأسبوعية. عموده يوم 5 مارس 2016 كثفه في 400 كلمة حوت المعلومة، النقد والرأي.

أخبرنا عن فضيحتين مدويتين، قاما بهما إعلاميان شهيران هما: الأمريكي (بيل كوسبي) والبريطاني( جيم سافيل)، هذا الأخير شاهدت له سنة 1975 أول حلقات برنامج اسمه (جيم سوف يحققها) وفكرة البرنامج ببساطة هي تحقيق أمنية يحلم بها أي مشاهد، خصوصا الأطفال، يذللها جيم حتى تتحقق، ويستضيف صاحب الأمنية ويشاهد المشاهدون خطوات تحقيقها، واستمر البرنامج بنجاح متصل حتى سنة 1994 وكان له أيضا عدد ناجح من البرامج لعل من أنجحها برنامج أفضل عشرين أغنية الموجه بالتحديد إلى الشباب، أو قل المراهقين بالإضافة إلى برنامج للأطفال "الذين يستقبلهم ويوزع عليهم الهدايا والنصائح والألعاب" ثم تبين بعد وفاته عن 84 سنه أنه كان يخفى وراء وجهه الضاحك وحشا بشريا يعتدي علي الاطفال ويغتصبهم.

أما النجم الأمريكي، ذو الأصول الأفريقية (بيل كوسبي) الذي يبلغ الآن 79 عاما، والذي يعد أحد الكوميديين الأكثر شهرة في أمريكا، بتقديمه لشخصية المدرس المتفهم والأب الحنون، والجار المتعاطف الخدوم، ولكن كثرت حوله الشبهات جراء اتهامات له من عدد من النساء، وأيضا من الأطفال، حتى انفضح أمره، وتأكد أنه كان يخدر الذين كان يستضيفهم في برامجه؛ ثم يعتدي عليهم.

يعترف الفاخري أنه تأثر بالروائي الأمريكي إرنست هيمنجواي الذي يقول: "مهمة الأديب أن يقول الحق"

إن السوء، ليس فقط في سلوك هؤلاء المرضى، بخداعهم للملايين، وإنما بالإحساس المرير، السيء والقذر، الذي يصيبنا عندما نكتشف أن صديقا، أو بطلا قوميا، أو فنانا، أو كاتبا صارت صوره معلقة في حجرات أطفالنا، وكتبه جزءا من مكتبتنا، ثم نكتشف أنه ظل يخدعنا طوال سنين بشخصية غير شخصيته. كم هو مؤلم حين نكتشف أنه يستخف بنا بابتسامته أو كلماته ونحن بحسن النية اُخذنا به.

يقول الكاتب سمير عطا الله: "القاعدة العامة لدى بعض الناس، هي أن يفصلوا بين العمل الأدبي، أو الفني وبين أصحابه. ويؤسفني أنني لم أبلغ هذه المرحلة من النضوج".

رحم الله خليفة الفاخري، الذي قال على لسان بائعة المقانق في الحكاية الثالثة، من كتابه موسم الحكايات "لا تحاول أن تخدع أحدا حتى الكلاب". كانت بائعة المقانق قد أهدت ابنها خاتما ذهبيا قبيل ذهابه إلى الحرب وظلت تنتظر عودته بفارغ الصبر، وبسبب الحرب وندرة اللحوم أخذت تذبح الكلاب وتغش بها المقانق، إلى أن وجدت الخاتم بداخل أمعاء كلب سيء الحظ ذبحته وصنعت من لحم (المرقاز).

أنا أعرف، مثلما يعرف أصدقاؤه أن الفاخري يكره النفاق، والخداع ويسعى دائما إلى الكمال، سواء في سلوكه، أو علاقاته الاجتماعية، وأيضا في كتاباته، بل يبتعد عن كل من تتناقض شخصيته في الواقع عما يكتبه، ولذلك لم تكن علاقته واسعة مع الكتاب والإعلاميين، ورجال الدولة والمال، ما لم يكونوا واضحين لا غبار على سلوكهم.

في مقابلة بصحفية الحقيقة، أجراها الأستاذ بكر عويضه مع الفاخري يوم 11 يوليو 1971 قال: "الكاتب المسؤول هو الذي يؤمن أنه يجب أن يكون صادقا في التعبير عن آرائه. الكتابة بالدرجة الأولى أمانة وصدق والمهم هو الصدق، وعندما ينعدم الصدق تصبح الكتابة مجرد وسيلة تافهة لأغراض مختلفة"، والفاخري الذي كتب مع الأستاذين: سمير عطا الله، وبكر عويضة في صحيفة الحقيقة منذ آواخر ستينيات ومطلع سبعينيات القرن الماضي كان يسعى على الدوام من خلال سلوكه اليومي الاجتماعي إلى الكمال طوال الوقت.

وهذا ما يتضح لنا جليا من كتاباته، وبالحوار الذي أشرت إليه، يعترف الفاخري أنه تأثر بالروائي الأمريكي إرنست هيمنجواي، الذي يقول: "مهمة الأديب أن يقول الحق" والفاخري ظل طوال حياته يقول الحق ويعيش بالحق، ومن أجل الحق.

ولذلك ما إن تنطق اسمه وسط أي تجمع حتى تتوالي دعوات الرحمة والاستغفار على روحه. كان رحمه الله يعي أن الخداع عدو الحق، فوضع هذه القيمة أمام عينيه طوال حياته.

وتَبّا، مثلما قال الكاتب سمير عطا الله، لكل من يخدع الناس، خصوصا أبناء وطنه. تبّا لهم سواء أكانوا كُتابا، جنودا، ثوارا أو موظفين. وتبّا ألف مرة لمن وكلناهم أن ينوبوا عنا فخدعونا! تبا لهم بعدد دموع الثكالي ومرارة حزن الذين تيتموا، وبعدد قطرات دماء الشهداء، تبا لمن باعوا، وما زالوا يبيعون الوطن.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات