نوستالجيون

صالح الحاراتي |
صالح الحاراتي

النوستالجيا مصطلح يوناني يستخدم لوصف الحنين للماضي، وأظنها حالة طبيعية فى النفس البشرية. ولكن ما ليس طبيعيا هو أن اﻻنغماس فى هذا الطريق يحول المسألة إلى حالة مرَضية ومعطلة لكل الطاقات والإمكانات وتصبح عائقا أمام تشجيع وتحفيز الإنسان للمضي إلى الأمام والنظر للمستقبل ومتطلباته والسعي الحثيت إلى مواكبة ومحاكاة العصر في ما ينتجه ثقافة وفكرا وعلما، من أجل فتح آفاق واسعة وجديدة أمام أجيالنا الصاعدة.

ليس غريباً ولا عيباً أن يتجه شعورنا حنينا إلى الماضي. فمجتمعنا يمتلك طاقات ومخزونا شعورياً هائلاً من تبجيل ما سلف من تاريخنا، ومنطقتنا شهدت بداية ظهور الأديان وتأسيس المعارف والشرائع والثقافات والأساطير والمدونات الشعرية، واحتوى كل ذلك على أبجديات معانٍ وأفكار شكلت عنواناً عريضاً لثقافة سائدة حتى الآن.. فنحن"خير أمة" ونحن من"لنا الصدر دون العالمين أو القبر" ولغتنا"لغة أهل الجنة"...إلخ.

النوستالجيا قد تتحول من نعمة إلى نقمة حينما نتمترس خلفها منكفئين في محاولة يائسة لتحويل حضورنا في هذا العالم

الشيء المرضي الذي لدى "النوستالجيين" برأيي هوالمتمثل في استغراقهم فى التغني بالماضي والوقوف على الأطلال الذي لن يقدم لنا حلولا عند مواجهة أي مأزق، بل يبدو الأمر فى حقيقته ليس إﻻ تعبير عن(هروب العاجز) عن مواجهة أزماته وعجزه عن مواكبة العصر الذي نعيشه والذى تتراكم فيه المعرفة بشكل يومي حتى ﻻ يكاد الوقت يسعفنا لنستوعب منجزا ما حتى يأتينا منجز جديد ونكتفي بالفرجة ويقتصر رد فعلنا على"البكاء على اللبن المسكوب".

نعم.."النوستالجيا" أحيانا تكون حالة سوية وطبيعية يمتاز بها الإنسان عن باقي الكائنات، ومنها الحنين لمرحلة الطفولة والبراءة.. كلنا نشعر بهذا الحنين الجارف للماضي والرغبة في العودة لأيام الطفولة، وربما التغنى بأمجاد الأجداد.. ﻻ بأس وﻻ بؤس.. ولكني أظن أنه ليس حنينا بالضرورة لأيام زمان نفسها ولكنه حنين لأنفسنا، لفطرتنا الأصيلة، للشخصية التي خلقنا بها قبل أن نتعرض لتجارب مؤلمة وقبل أن تلوثنا البيئة الثقافية الحاضنة. إنه الحنين للزمن الذي كنا نرى فيه العالم مكانا سحريا جميلا مدهشا مثيرا للاستكشاف والاستطلاع.

إنه حنين للزمن الذي كانت فيه أحلامنا بسيطة لدرجة السذاجة وسعادتنا في متناول أيدينا.. بينما السعادة ﻻ تكمن في زمن آخر ولا يمكن أن نحصل عليها إلا في الزمن الحاضر الذي نعيشه.

النوستالجيا قد تتحول من نعمة إلى نقمة حينما نتمترس خلفها منكفئين في محاولة يائسة لتحويل حضورنا في هذا العالم، وعلى كل الصعد، إلى ما يشبه الكائن الذي يرفض الخروج من شرنقته خوفاً من مواجهة العالم، ونعيش على ضفاف شعارات فضفاصة مثل: نحن خير أمة.. ونحن الذين قدمنا للعالم علم الجبر.. وأجدادنا اخترعوا اﻻسطرﻻب.. ولولا حضارتنا لما وصل العالم إلى ما وصل إليه اليوم.. وغيرها الكثير من الشعارات التي قد لا تجافي الحقيقة ولا ينكرها أحد، إلا أنها باتت تشكل حالة هروب مرضية لاستحضار دائم للتاريخ تكاد تفقدنا القدرة على التمييز بين ما يجب علينا القيام به حاضرا ومستقبلاً حتى يمكننا المشاركة في الفعل والنشاط الإنسانى الحاضر، وليس الاكتفاء بدور المتفرج أو المتلقي أو المتوجس الخائف من كل جديد، والمستعدي له بشكل مسبق على خلفية من الكراهية والعداء.

نفخر بماضينا ونحترمه.. نعم، ولكن ليس هذا كل شيء.. المهم والأجدر باهتمامنا هو أن ندرك ونعي ما نحن عليه الآن!!. وكيف نصنع حاضرنا ومستقبلنا، فالماضي والمستقبل كلاهما موجود في عقولنا فقط، أما الشيء الوحيد الذي يمكننا أن نراه ونلمسه فهو الوقت الحالي، ويجب أن نستمتع به ونتفاعل معه الآن قبل أن نتحسر عليه في المستقبل.

ما نعانيه اليوم ربما كان صدمة التعرُّض للحقيقة حيث أتى تغيير فبراير لنكتشف جوانب من حقيقتنا ليفتح الجراح ويكشف المستور عن مجتمع مليء بتشوهات سلوكية وأخلاقية ومعرفية

ﻻ يفوتني أن أشير إلى نموذج آخر من النوستالجيين الذين ظهروا علينا عندما ساءت الأحوال، كحالنا اليوم وتصل إلى مراحل متقدمة في الانهيار والتردي، يلجؤون إلى التغنى بالأوضاع التي سبقت وكأنها الجنة المفقودة.. وبما أننا نعاني من حالة متقدمة ومتصاعدة الوتيرة من التآكل المجتمعي، على كافة الأصعدة.. وشروخ كبيرة فى نسيجنا اﻻجتماعى وجرنا الصراع على السلطة إلى حرب أهلية ليس فيها مهزوم، وﻻ غالب والجميع يشعر بقدر من الهزيمة، لذا لم يبق فى الأفق سوى المزيد من المزايدات، والتطاحن والتشرذم... ولن تفيدنا تلك النوستالجيا بشيء، وعلينا النظر للمستقبل.

ما نعانيه اليوم، ربما كان صدمة التعرُّض للحقيقة.. حيث أتى تغيير فبراير لنكتشف جوانب من حقيقتنا، ليفتح الجراح، ويكشف المستور عن مجتمع مليء بتشوهات سلوكية وأخلاقية ومعرفية، مجتمع يتآكل ذاتيا منذ زمن بعيد، تحت وطأة قيم وممارسات الاستبداد والفساد وما تركه من أمراض نفسية واجتماعية.. مجتمع عانى من الحرمان السياسي وقتا طويلا ولم يجد له مخرجا من مواجهة حقيقته إلا عبر رحلة الهروب للماضى بعيدا عن ألم الواقع..
عبر الفيسبوك، يتبادل الناس صورا قديمة خلال العهد الملكي، يتشاركونها ويرسلونها لبعضهم البعض، على أساس أنها صور في العهد الذي كانت فيه بلادنا أجمل، وهى نسبيا كذلك، ونمارس العويل والبكاءعلى أطلال البلد.. ربما كان بعض هذا الجمال محض قشرة، تداري تحتها الكثير من النقائص والفساد والفقر المُدقع الذي كان يضرب في أساس البلاد والعباد، في تلك الحقبة التي يعتبرها البعض، الآن، عهدا للجمال والحرية!

لكن، هل كان هذا الماضي جميلا بحق؟ هل كان الناس في حينها يرونه جميلا كما يرونه الآن، بعد أن أصبح ماضيا؟

وﻻ أستغرب أن الأمر نفسه يحدث من أنصار النظام السابق وبعض الطيبين الذين نالهم الأذى وفقد الأرواح وخيبة الأمل فى التغيير.. اللوم الحقيقي يقع على من جعلوا واقعنا مأساوياً لهذا الحد الذى يدفعنا دفعاً لاجترار الماضي، وإيهام أنفسنا أن الجنة كانت هنا على أرضنا يوما ما .

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات