"التلقيح" توصيف بلا تشخيص !؟

صالح الحاراتي |
صالح الحاراتي

1-
فى عالم الطب والصحة هناك خطوات ضرورية يقوم بها الطبيب للتعامل مع أي حالة مرضية ليتأكد من صحة تشخيصه حتى يقوم بالعلاج الناجع.. تبدأ الخطوات من معرفة الشكوى والأعراض التي تظهر عند المريض-symptoms- ثم ينتقل إلى الموجودات الظاهرة-signs- وﻻ يكتفى بذلك ولكنه يستمر بالبحث عما هو موجود فى العمق لكى يخطو خطوة إيجابية باتجاه التشخيص الحقيقى ... فيلجأ للتشخيص التفريقى- Differential diagnosis- أى باستبعاد غير المتيقن منه، ثم إلى التحليل المعملي والاختبارات وقد يحتاج إلى الكشف باأشعة لمعرفة التشخيص بشكل يقينى... إلخ

بعد هذا التقديم.. أدخل في صلب الموضوع، وهو الإشارة إلى أننا، وفى تعاملنا مع المشاكل التى تواجه مجتمعنا، نكتفى بالتوصيف الظاهري واﻻهتمام بالأعراض وﻻ نمضي في سياق التفكير بالمنهج العلمي الإيجابى.. حيث وصف ظاهر المشكلة، وﻻ شيء غير ذلك، يوقعنا في التباس ويبقي الحال كما هو عليه؛ بينما لمعرفة أصل البلاء والبحث عن العلاج يستدعي الأمر منا تحديد المشكلة بدقة وتعرية أسبابها وتحديد الهدف من حل المشكلة وتحديد البدائل(الحلول) الممكنة وكيف نصل للحل الذي نريد ثم اختيار أفضل البدائل ومتابعة المثابرة على تنفيذه ووضع الخطة الزمنيه للتنفيذ .. إلخ

ولعلنا ومن خلال تعاملنا بالتوصيف الظاهري السطحى وعدم إعمال المنهج العلمي نذهب إلى العجز والتسليم واﻻستكانة إلى ظواهر سلبية عديدة تبعدنا عن الفهم والتعامل الحقيقي مع المشكلة وعلاجها، بل ينحو بنا ذلك إلى خلق مسارات سلبية أخرى ليس أقلها جلد الذات. بل ربما تتفاقم الحالة ونمضي إلى دوامة"البكاء على اللبن المسكوب" دون الخروج بأفكار ومبادرات لتشخيص وعلاج ما نعانيه!؟ ونكتفى بالتأقلم والرضوخ تحت غطاء من قول كارثي ملتبس فى ثقافتنا الموروثة هو"الله غالب "!؟ وعندها ﻻ نجد من سبيل إلا السخرية و"التلقيح" وتكسير المجاذيف

2-
تلقيح وتكسير مجاذيف؟ أسلوب السخرية مطية يستخدمها المقموع لأجل التعبير والاستهزاء من القامع وتحت معطيات واقعية تكون وسيلة جيدة ومؤثرة وﻻ شك، ولكن أن تبقى الطريقة الدائمة والمستدامة للتعبير تتحول مع الزمن إلى أمر هدام وسلبية حين يكون الفعل الإيجابى ﻻزما وضروريا.

أسلوب السخرية نسميه بالعامية"تلقيح". والتلقيح يعنى بالفصحى تلقيح الذكر بالأنثى مثل توبير النخل للحصول على المنتج ناضجا ومثل التلقيح الصناعي في عالم الإنسان لإيجاد نسل جديد.

فهل يؤتى أسلوب التلقيح بالمعنى الدارج فوائد ونتائج إيجابية كالتلقيح بالمعنى العلمى؟ أم الأمر إن زاد عن حده تناسل سلبيا وتراجع إلى بوار وعدم.

التلقيح عندما يتحول إلى تكسير مجاذيف ﻻ يمكن أن يكون مجديا ونافعا، بل التلقيح قد يؤدى بصاحبه إلى اﻻهتمام بتوافه اﻻمور، حيث يمضي إلى التركيز على أخطاء من يخالفه وﻻ يرى أخطاءه ويصبح كمن عميت بصيرته !؟

لعله من المفيد أن نراجع الأوضاع التي قد تؤدي إلى وصول التلقيح إلى حالة من تكسير مجاذيف ليس إﻻ. هل الأوضاع السياسية لها دور في ذلك؟ أظن أن الإجابة بنعم.

ففى ظل نظم اﻻستبداد يتم تسفيه القيم والأشخاص حتى يبقى الوحيد السليم هو الحاكم الفرد.. وينعكس ذلك على الناس فيستمرؤون الوسيلة ويبدأ أسلوب السخرية والتلقيح يأخد مداه بينهم حتى يصلوا إلى تسفيه أنفسهم. عندها نبدأ بالتوصيف دون التشخيص ونصل إلى طريق مسدود وﻻ يبقى أمامنا إﻻ السخرية من حالنا مرددين"الله غالب" وتغيب عنا الحكمة التي تقول: تكسير مجاذيف غيرك لن يسرع بقاربك

3-
"الله غالب"!!؟ مفردة تستحق التأمل. الأسوأ من التوصيف دون تشخيص هو عندما يكون توصيفنا ذا طابع تعميمي فضفاض ﻻ يحمل معنى محددا ودقيقا يساعدنا على فهم للمشكلة لكى نجد لها الحل الناجع.. أي عندما نتغافل عن تحديد دور الإنسان ومسؤوليته في تغيير واقعه ونلقي المسؤلية عن كاهلنا، فى نفس الوقت الذي نردد كثيرا"إذا الشعب يوما أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر" ولكننا نرددها ونلوكها بأفواهنا في غياب حقيقي للمعنى وجوهر المقصد.. حيث نستدعي هنا مقولة"الله غالب" التي تتسيد المشهد هروبا من عجزنا وتقاعسنا عن القيام بدورنا.

والسؤال لماذا؟ وما أصل"الله غالب" هذه؟ هل هو الإيمان في أعماقنا بالجبرية دون الإقرار بذلك، وهل"الله غالب " تعني غياب الإرادة الإنسانية في مقابل الإرادة الإلهية!؟ هل هي مسألة راسخة في العقول باعتبارها من لوازم الإيمان؟ وهل نحن فى حاجة حقيقية إلى من يفك لنا هذا"الالتباس"؟

هل نحن بحاجة لمن يقول لنا: إن بعض هذا المتوهم بأنه مقدس(الجبرية) ليس بحقيقي وأن كثيرا من النصوص تنتظر حالة قراءة جديدة تكشف لنا معاني ومفاهيم جديدة حتى نعبر إلى سعة أرادها الخالق وضيقها المخلوق!؟
فى ظني أن"الله غالب هذه" تعني وقوف الإنسان في مكانه بانتظار ما هو قادم نحوه لا يغيره أو يبدله وإنما يستقبله مثل الذي ينتظر السماء أن تمطر ذهبا وفضة..!! "الله غالب" مفردة ترى أن الزمان هو العنصر المحرك، لا الإنسان.. وموروثنا ممتليء بهذه الفكرة ومستسلم لها، وبعبارة مختصرة هناك أمر غائر في أعماقنا تعارفنا على صحته هو أن"المكتوب ع الجبين ........إلخ

بينما الحقيقة والواجب هو أن الإنسان مسؤول عن تغيير واقعه. "الله غالب" الموضوع يحتاج إلى مزيد من اﻻستفاضة!!

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات