تعُسَت ميساء ( 17فبراير 2015 فرصة أخيرة لنشكرَ شهداءنا ونطرحَ العارَ عنا!)

علي المجبري |
علي المجبري

كان الليبيون بدءاً من 17 فبراير 2011 وعلى مدى ثمانية أشهر، أكثر تراحماً وحُنوّا وتماسكا من أي وقت مضى، حتى فاق تلاحمهم ما تفاخر به الآباء والأجداد خلال فترة مقاومتهم الأسطورية للاستعمار الإيطالي!!..؛

ولكن بعد تحرير البلاد وتهافت المدن والأحزاب والجماعات على دسّ السلاح في مخازنها الخاصة وإخفائه عن عيون الدولة، توحّشت هذه المدنُ والجماعات والأحزاب، وتهوَّرَ السلاح، وانهارت الدولة.

فلم يكد الليبيون (الرائعون) يُسقطون النظام المصاب بداء الكَلَب، حتى انقلبوا على عقبيهم وكأنهم التقطوا هذا «الفايروس» أو كأن (ميساء) الشريرة سحرتهم بتعويذتها؛ فتحولوا إلى وحوش غلاظ القلب تملأ أجوافَهم شرورُها السبعة.

فهذه الإصابة أو هذه التعويذة السحرية جعلت الليبيين مكائنَ قتل؛.. وبرمجت مدناً وأحزاباً وجماعاتٍ على قتل مدنٍ وأحزابٍ وجماعاتٍ أخرى، دون الاعتداد حتى بروابط الصداقة والقربى والجوار!. وزينت للبغاة تعذيب المواطنين والتنكيل بهم لأتفه الأسباب؛ فضربوا واعتقلوا وانتهكوا الحرمات والحريات والحقوق، وأنشأوا السجون ومراكز الاعتقال ليسجنواـ فيمن سجنواـ الشيوخَ والنساء في سابقة اجتماعية لم يسبقهم إليها حتى القذافي الذي أسقطوه بسبب طغيانه وتحقيره لليبيين.

الليبيون قد تتغير أفكارهم ولكن لا يجب أن تتغير عقيدتهم التي بناها الله في قلبهم صافيةً غير مخلوطةٍ بشيء من الحقد والكره والضغينة

ثم حفزت في نفسهم نقيصة السرقة والحرابة والسطو على أموال الدولة والمواطنين، ودفعتهم إلى الاستيلاء على أراضي الناس وممتلكاتهم ونهبها دون أن تأذن لجبينهم أن يندَى أو لأهلهم أن يعترضوا على سلوك أبنائهم المجرمين.
وبين النقيصة والنقيصة ملأتهم بأشكال الكُرهِ والحقد والحسد، حتى لم يعد هنالك تصرفٌ كريه إلا وجرّبوه ومارسوه؛ فتفننوا في تشويه الشرفاء وتنابزوا بالألقاب وألصقوا النعوت والصفات القبيحة بخصومهم، حتى ندر أن تجد مسؤولا أو إعلاميا أو شيخا أو ناشطا لم يلصقوا به نعتا يسيء إليه وإلى أهله وكرامته.

وقد جعلتهم يطردون عشرات الألوف من المواطنين إلى خارج بلدهم (وكأن ليبيا أرضُ أجدادِهم وحدهم) وشردوا معهم آلاف الأُسر التي هامت في بلدان الجوار عاجزة حتى عن توفير مأكلها ومسكنها!.. لنرى الليبيين (لأول مرة في تاريخهم) يتلقون معونات الدول الأخرى ويتلقفون أموال الزكاة والصدقات، حتى ألجأوا بنات الوطن- بعد عزهنّ- للعمل خادمات لأناس لم يحلموا حتى بمصافحتهن، قبل أن يبقين مثار شفقة العالم بفضل ثوارنا الأشاوس الغيورين جدًا على أعراضهم وكرامة نساء وطنهم. ولم ترتَح حتى جعلتهم يتبنون سُنّة القذافي في هدم بيوت أعدائه وتشريد عائلات خصومه كي لا يعودَ لهم مأوى في بلادهم عقابا ونِكالاً وتبريدا لحرقة قلبهم المُصاب المسحور.

وأخير نفثت في صدرهم أن كل من يسيطر على بقعة من الأرض عليه أن يخالف ويعادي ويحارب المسيطرين على الأراضي الأخرى؛ فلا ينضووا تحت هدف واحد ولا عَلم واحد، ولا يثنيهم شيءٌ عن محاربة بعضهم سرا وعلنا.

هذا الاختلاف والتباغض والتقاتل.. جرَّأَ عليهم أعداءهم، وجعل الذين كانوا يختبئون في أقاصي الأرض حتى لا يروهم، يخرجون على الملأ ويوغلون في إهانتهم وشتم ثورتهم ووسم شهدائهم بأرذل النعوت والأوصاف!.

فتخلصوا أيها الليبيون من هذا السحر وتعالَجوا قبل فوات الأوان، وأوقفوا تقتيل أنفسكم، وجالسوا بعضكم، وتحاوروا، وتسامحوا، فالوطن ليس محل مقامرة يكسبه المنتصر ويفقده المهزوم،.. الوطن للجميع وبالجميع، وتذكروا أنّ منتصر اليوم مهزوم الغد وباكي اليوم ضاحك الغد؛ فلا تبغوا ولا تعتدوا ولا تُقصوا أحدا، فالخير في اجتماع كل الليبيين والبركة لن تنزل إلا برضاء جميع الليبيين..؛

فالليبيون قد تتغير أفكارهم ولكن لا يجب أن تتغير عقيدتهم التي بناها الله في قلبهم صافيةً غير مخلوطةٍ بشيء من الحقد والكره والضغينة.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات