الثورة تأكل مطلبياتها

نورالدين خليفة النمر |
نورالدين خليفة النمر

يجد المرء نفسه في مضمار الحنين "النوستالجيا " عندما يكتب عن انتفاضة الشارع المتجدّدة اليوم في إيران. إذ تواقت تدافع الثورة الشعبية عام 1979 مع تعييني بعد تخرجي من الجامعة موظّفاً وبعدها بأشهر مديراً في الإعلام الليبي. ولذا صار علّي كتابة تقارير من خلال الإعلاميات المتدفقة التي قاربت الحدث الثوري بتغطيته كإسلام راديكالي حسب كتاب لإدوارد سعيد بهذا العنوان، أي التحليل بالتسييس مع النقص البائن في السوسيولوجيا.

ما لفت انتباهي وأثارني في الثورة الإيرانية، وأنا أجلس على طاولة العمل، المطلبية المجتمعية دون كل المطلبيات التي لفقّها الأيديولوجيون لمتظاهري الشارع، وما خيّب شغفي بالثورة مَرحلةَ المطلبية بالتمييع والتفسيخ مايقرب من 4 عقود. ففي المرحلة التعبوية 1979 ـ 1989 برزت الأيديولوجيا المستهلكة والمعادية للإمبريالية والاستعمار، وصياغة إسلام ثوري (Militant Islamism)، استغله النظام الإيراني لغرض تصفية خصومه السياسيين عن طريق إعدامات واعتقالات واسعة النطاق شملت بالتبعية المثقفين وطلبة الجامعات، في مقابل فرض أيديولوجيا ثقافية مستلهمة من نظرية الثورة الدائمة ساعدتها الحرب مع العراق بأن أسهمت في وضع أرضية لتبرير الممارسات العسفية واللاديمقراطية لأجهزة السلطة الحاكمة لتمهيد الطريق لمشروع الليبرالية الاقتصادية 1989 ـ 1997، التي هيمن فيها (البازار) مسهماً في تكوين طبقة الأغنياء المستحدثين (Nouveau Riche). بينما سعت الامتدادات الإصلاحية 1997-2005 فقط إلى التمادي في تقديم امتيازات تهدف إلى تلبية طموحات الطبقة المُعادة للواجهة بماتبقى من الطبقة المتوسطة المرتبطة بالنظام عبر إصلاحات شكلية لتعميق التوجّهات النيوليبرالية. تأتي الحقبة المحافظة الجديدة 2009- 2013 مزيجاً من الشعبويّة الاقتصاديّة والاجتماعيّة كرّست ـ لغرض برجماطي هدف إلى كسب الأصوات الداعمة في الانتخابات ـ خطاباً سياسياً ميالا إلى الطبقات الفقيرة والمهمشة التي دأبت الجمهورية الإسلامية خلال العقدين الأولين للثورة على أن تصنع منهم طبقة وسطى جديدة لتأتي الشعبوية كمفارقةعبر سياسات تفشيّ الفساد في العقدين الأخيرين لإعادة إفقارها. فأكثر من أربعين مليون إيراني يعيشون اليوم تحت خط الفقر، وبلغت فى عام 2017 معدلات بطالة الشباب نسبة 40%.

لقد تأملت في البدايات الثمانينية للثورة الإيرانية بزادي القليل في سوسيولوجيا الثقافة: كتابات فرانتز فانون ونقدية ماركوزة للإنسان ذي البُعد الواحد، أما سوسيولوجيا الإسلام في الثورة الإيرانية فقد أضاءتها الومضات والمقتطفات من كتابات المفكر وعالم الاجتماع الإيراني علي شريعتي التي بدأت تتسرب لي عبر المادة الإعلامية التي غطّت حدث الثورة الإيرانية والكتابات التنظيرية التي رافقت تفاعلاتها على صُعد السياسة والاقتصاد والثقافة والمجتمع.

مالايمكن تجاهله أن اليسار الإسلامي، الذي بعثته أفكار شريعتي وكتاباته، تأثر كثيراً بالماركسيين الأوروبيين في الستينيّات. وليس بمقدور المرء أن يحلّل الإسلام الراديكاليّ الجديد دون إشارة مباشرة إلى الماركسيّة الغربيّة. فمفهوم "الناس" الذي تتغذى عليه الحركات المجتمعية يتبوأ المكانة المركزية في سوسيولوجية شريعتي المُعتبر بأنه "المؤدلج" الحقيقيّ للثورة الإسلامية حسب الاستخدام الحديث لـمفاهيم كـ :الجماهير أو الشعب ذات الدلالات السياسية الحديثة الموسومة بالارتباط بثنوية الشعب/ الحكم والجماهير/ النخبة.

وإزاء العلاقة بين الناس والحكومة والسلطة في حكم إسلامي حقيقي كان السؤال الحاسم الذي جر المناقشات إلى الثورة في أيامها الأولى حيث ما انفك كل طرف يدّعي إسناد كتابات شريعتي إليه. ما فعله الإماميون المروّجون لولاية الفقيه الموهومة لهشاشة الوعي الطبقي في المجتمع تفنيد ادعاءات الإيرانيين الراديكاليين كالماركسيين والعلمانيين اللائكيين بوجود هوّة بين تصوريّ شريعتي والخميني وتأكيدهم على أن الأوّل لم ينادِ في فترة غيبة الإمام بديمقراطية ذاتية الحكم للأمة. فالقيادة المرجعية والتوجيه ضروريان وأن مقت شريعتي التعميمي للكهنوت لم يستبعد تقبلّه في صياغاته لنوع القيادة الذي تنطوي عليه "ولاية الفقيه" وهي العقدة الصعبة التي لم تُمس منذ عام 1979 حتى اليوم فلم يقترب أحد من الأجنحة المتنافسة المصطنعة في بنية النظام السياسي والمؤسسي الحاكم من ملامستها بالنقد أو التشكيك في مشروعيتها السياسية.

بالمفهوم الذي ألمحنا إلى تعميميته في راديكاليات شريعتي تظل ولاية الفقيه المعادلة التي جرّت " الناس" للخروج فى احتجاجات متكررة في عشريات مظاهراتهم، لأن من ينتخبونهم فى البرلمان وفى الرئاسة من القوى الإصلاحية لا يمكنهم إحداث أي تغيير في الهالة المرتبطة بنظرية ولاية الفقيه الموهومة في مخيال الإمام الخمينى، وصلاحيات المرشد التي أنتجتها في الواقع فهو قائد الجيش، ويحق له تعيين وعزل 6 أعضاء من علماء الدين فى مجلس صيانة الدستور ورئيس السلطة القضائية ورئيس مؤسسة الإذاعة والتليفزيون والقائد الأعلى للحرس الثورى الإسلامى وقوى الأمن، وهناك ممثلون للمرشد يعينهم فى كل وزارة أو مؤسسة حكومية مهمة، كما يشرف على المكاتب الثقافية للسفارات الإيرانية ويتولى إيصال الدعم المالى للحركات الإسلامية "الصديقة"!، متخطياً بذلك الرئيس ووزير الخارجية.

الأزمة الحالية في إيران التي أخرجت مظاهرات المفقّرين والمهمشين إلى الشوارع سمّاها السوسيولوجيون الإيرانيون كآصاف بيّات بـ "مابعدالإسلامية" عدا مسّها لأوّل مرة بالتجريح مشروعية المُرشد الأعلى يمكن توصيفها اجتماعياً وسياسياً بعبارة العاصفة الكاملة (Perfect Storm)، ربما هذه المرّة، كالمرات السابقة، لم تهزّ النظام الإيراني تمهيداً لاقتلاعه كما حدث للدكتاتوريات الكرتونية التي اقتلعتها هزّة ماسُمي بالربيع العربي, ولكنها تصيب عماه الأيديولوجي، في مقتل بإبهاظه بدفع فاتورة تداعيات سياسات اقتصادية نيوليبرالية أدت إلى إفقار طبقات واسعة من المجتمع وشكلت ضغطًا كبيرًا على الطبقة التي صنعتها الثورة الإسلامية وفقّرتها بمَثْل القطة تأكل أبناءها.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات