رحيل آخر الرجال المرافقين للمَلِك الرَّاحل

شكري السنكي |
شكري السنكي

رحل إِلى رحمة الله تعالى السّيِّد إدْريْس أحمَد بوسيف ابن خال المَلِك إدْريْس السّنُوسي وسكرتيره الخاصّ، الشخصيّة الوطنيّة الفذة، أحد رجالات دولة الاستقلال الّذِين أسسوا لنا دولة مِن عدم أو مِن كيان كان أشبه بالحطام، وحققوا بجهدهم المخلص طموح المجتمع وسعادة أفراده، وأنجزوا - وَفِي زمن قياسي - دولة كانت مضرب المثل فِي محيطهم العربيّ والإسْلامي. وقد انتقل إِلى رحمة ربه ظهر يوم الاثنين الموافق 27 نوفمبر 2017، وأثار رحيله موجة ردود فعل في كافـة أنحاء ليبَيا لتترحم على روحه الطاهرة، والوقوف عند شخصيّته الاستثنائيّة الّتي أحبت الوطن بصدق وأخلصت الولاء له، ولتوجيه الضوء على خُلق الوفاء الّذِي تمتع به، نظراً لأهميّة (الوفاء) ولما له مِن أثر عميق ودور كبير فِي حياة النَّاس، شعوباً وأفراداً.. وقد كان سيِّدي إدْريْس بوسيف متصلاً بتضحيّات الأجداد ووفياً مع الآباء المؤسسين، وعلى رأسهم المَلِك إدْريْس السّنُوسي الأب المؤسس لدولة ليبَيا الحديثة.

السّيِّد إدْرِيْس بِوسيف (1) مِن سُكَّان مدينة طبرق، ومِن (أَوْلاد بِوَسَّيف)، وقد عُرف بتدينه وصدقَه ومواقِفِه الْشَّجاعة، وتمتع بثقافة واسِعَة، وإِلمام موسوعي بالتاريخ الإسْلامي وكُل مَا يتعلق بتاريخ لِيبَيا وجهادها ضدَّ الاستعمار الإيطالي. ولّد بِواحة الجغبوب العَام 1927، وقد حفظ القرآن الكرِيم بزاوِية واحة الجغبوب ودرس علوم القرآَن وَالفِقه على يد كِبّار فقهاء الزَّاوِية وَعلمائِهَا. تحصل على الشّهادة الثَّانَوِيَّة العَامَّة مِن المدرسة الثَّانوِيّة بِمدينة طبرق، وكانت الثَّانويَّة العامَّة تُعد آَنذاك بِمثابة شهادة عالِية فَتَم تعيِينه بعد إِنهاء دِراسته مرَاقِباً لِلزِّراعة فِي مِنطقة الجبل الأخضر، وكانت مراقبة الزِّراعة تتبع وقتئذ وزارة الأوقاف.

وفِي العَام 1964، استدعاه المَلِك إِدْرِيْس رَحِمَه الْلَّه، إِلَى قَصرِه بِدار السَّلام فِي مَدِينة طبرق ثمّ بعث لَه رِسَالَة عبر (الخَاصَّة المِلكِيَّة) ليعيِّنَه سكِرتِيراً خاصاً لَه، واستمر فِي منصب سكرتير المًلِك حتَّى ساعة انقلاب الأوَّل سبتمبر 1969.

كَان السَّيِّد إِدْرِيْس بِوسيف مع المَلِك بِالخارِج سَاعة الانقِلاب، واستقر معه بِمِصْر فَترة مِن الوقت ثمَّ عاد إِلى البِلاد وتعرض للسجن فترة مِن زمن

كَان السَّيِّد إِدْرِيْس بِوسيف مع المَلِك بِالخارِج سَاعة الانقِلاب، واستقر معه بِمِصْر فَترة مِن الوقت ثمَّ عاد إِلى البِلاد وتعرض للسجن فترة مِن زمن. وقد أستطرد هُنا لأقول، أصدر المَلِك إدْرْيس المَهْدِى السّنُوسي يوم 12 يونيه 1969 مرسوماً بتكليف ولى العهد الأمير الحسن الرَّضا السّنُوسي بإدارة شؤون المملكة أثناء فترة غيابه للاستشفاء.

وغادر المَلِك ميناء طبرق متجهاً إلى اليونان تعقبها رحلة علاجيّة إِلى تركيا، على تمام الثامنة مِن صبيحة الثاني عشر مِن يونيه العام 1969، وكان فِي توديعه جمع غفير مِن المواطنين والمسؤولين الرسميين بالدولة يتقدمهم الأمير الحسن الرَّضا ولي العهد، السّيِّد ونيس القذّافي رئيس الحكومة، الشيخ عبْدالحميد العبّار رئيس مجلس الشّيوخ، السّيِّد مفتاح عريقيب رئيس مجلس النّوَّاب، الشّيخ القلهود مفتي البلاد، إِلى جانب رئيس الدّيوان وكبّار الموظفين بالدولة، وعدد مِن رجالات الشرطة والجيش والأمن. وكان بصحبة المَلِك فِي رحلته حرمه الملكة فاطمة الشفاء، ومجموعة أخرى يتقدمهم: فتحي الخوجة كبير التشريفات، عُمر إبراهيم الشّلحي مُستشار المَلِك، إدْريْس بوسيف سكرتيره الخاصّ، التشريفاتي محمود الثني، الزعيم سعد بن قنطش آمر الحرس الملكي، العقيد عبْدالله عبْدالكريم الياور الخاصّ، الطاهر القرمانلي سفير المملكة فِي اليونان إِلى جانب بعض الموظفين.

وبعد أسابيع قليلة مِن وقوع الانقلاب، وصل المَلِك وزوجته الملكة فاطمة إِلى القاهرة، وكان بصحبتهما بعض المرافقين يتقدمهم السّيِّد إِدْرِيْس بوسيف سكرتيره، وعبداللَّه عبْدالكريم الجويفي ياوره الخاصّ. ويُذكر أن المَلِك لم يكن لديه مال ليُنفقه على مرافقيه ويكفل بذلك العيش الكرِيم لهم، وأَنَّه كان يعلَم تمام العِلم بِأَن السّيِّد إِدْرِيْس بوسيف والعقيد عبداللَّه عبْدالكريم لا يَملِكان مِن حطام الدنيا إِلاّ مرتبيهما، وأَن أُسرتيهما فِي لِيبَيا بِحاجة ماسَّة لرِعايَّتهما، ولذا طلب منهما الرجوع إِلى البِلاد، لأِنَّه كان واثِقاً مِن أَن الانقلابيين سوف يحقّقُون معهما ويعرضونهما على محكَمتهم، ورُبَّما سيتحفظون عليهما لفترة مِن الوقت إِلاّ أَنَّهم سيطلّقون سراحهما فِي نهاية المطاف لأِنَّهما نظيفا اليد والذِّمَّة، وليس هُناك مَا يُدِينهمَا على الإطْلاق.

أعود بعْد هذا الاستطراد لأقول، استجاب سكرتير المَلِك وياوره الخاص لِطلبِه، ورجعا إِلى لِيبَيا. وهذا مَا أَكَّده السَّيِّد إِدْرِيْس بوسيف فِي حَدِيث أَدلى بِه إِلى مندوب موقع (الصَّيَّاد)، والّذِي نُشِر بِالموقع المذكُور تحت عنوان: (إِدْرِيْس بِوسيف كُنْت سكِرتِيراً لِلمَلِك)، فقال: ".. ووضعونا نحن فِي فِيْلا مجاورة لقصر الضِّيافة وبعد شهرين تقريبِاً تمَّ استدعاؤنا مِن قبل المَلِك وأَخبرنا بضرورة العودة إِلى بلادنا وأهلنا.. وبالفعل رجعنا إِلى لِيبَيا عَن طريق مطار بنينا بِبّنْغازي.. تم التحفظ علينَا لِفَترة مِن الزَّمَن فِي مَدِينَة بَّنْغازي تَخَلَّلتهَا تَحقيقَات مُتكرِّرة.. ثمّ عدنا إِلى مدينتنا طبرق بعد عِدَّة سنوات وانخرَّطنا فِي الحيَاة العامَّة مِن جديد تاركين وراءَنَا ذكريات وذكريات حول مراحل مُتعدِّدة مر بِهَا الوطن..".

ومِن جديد، تعرض السّيِّد إِدْرِيْس بِوسيف ورفيقه السّيِّد عبدالله عبدالكريم ياور المَلِك الخاصّ لِلتحقيق والسِجن بَعْد رجوعِهما إِلَى لِيبَيا، وَقَضَيا بِالسِجن حَوَالَي خَمس سَنَوَات.

وَفِي العَام 2006، استدعاه مُصْطَفَى الخَروبّي أَحد الأعضاء الَّذِين قاموا بالانقلاب، إِلى طرابلس عَن طريق الرَّائد سُليْمان محمود، وقد جَاء الأخير إِلَى بيت السَّيِّد عبد اللَّه عبْد الكرِيم وأخبره ِأَن الخروبّي يرغب فِي مقابلته ومقابلة صَدِيْقه إِدْرِيْس بوسيف. انتقل بوسيف وعبْد اللَّه عبد الكرِيم فِي طائِرَة خاصَّة مِن طبرق إِلى طرابلس، واجتمعا بِالخروبّي، وقد طلب الأخِير مِنهُمَا أَن يُسَافِرَا إِلى لندن لِيقنّعا الأمير محمَّد الحسن الرِّضَا السُّنُوسي بترك دعوته القاضيّة بِالعودة إِلى الشّرعِيَّة الدّستوريّة المتمثلة فِي دستور 1951 بتعديلاته اللاحقة، وذلك بعْد تصاعد هذه المطالبة عقب اجتماع المُعارضين فِي لندن يومي 25 و26 من شهر يونيه العَام 2005، والّذِي دعوا فيه إِلى تنحي العقيد معمّر القذّافي عَن كافة سّلطاته وصلاحيّاته الثّوريّة والسّياسيّة والعسكريّة والأمنيّة، والعودة إِلى الشّرعيّة الدستوريّة الوحيدة المتمثلة فِي دستور 1951 بتعديلاته اللاحقة. رفض السّيِّد إِدْرِيْس والسّيِّد عبد اللَّه عبد الكرِيم رفضاً قاطعاً طلب الخروبي، ورفضا السفر إِلى لندن، وقد سمع الخروبّي مِن السّيِّد إِدْرِيْس بوسيف مَا ألزمه الصمت وجعله عاجزاً عَن النُّطق.

أخيراً، توفي السّيِّد إدْريْس أحمَد بوسيف ظهر يوم الاثنين الموافق 27 نوفمبر 2017 بمدينة طبرق بعْد فترة قصيرة مِن المرض، وقد ترك وصية لأهله بأن يُدفن بواحة الجغبوب أينما دُفن العالم الجليل وكبير السادة السّنوسيّة الإمام محَمّد بِن علي السّنُوسي، المتوفي العَام 1276 هجري الموافق 1859، وابنه السّيِّد محمّد الشّريف وصهري سيِّدي عمران بن بركة، والسادة الرَّضا المَهْدِى السّنُوسي وصفي الدّين السّنُوسي قائد معركة القرضابيّة. ونُقِل جثمانه الطاهر من بيته بمدينة طبرق إِلى الجغبوب جنوب شرق ليبَيا وجنوب مدينة طبرق بحوالي 286 كلم والّتي تتبعها إدارياً. ودُفن بمقبرة زاوية الجغبوب يوم الثلاثاء الموافق 28 نوفمبر 2017.
وَخِتامّاً، انتقل إِلى جوار ربه تاركاً وراءه سيرة طيبة وإرثاً يكفل تمجيد تاريخه أبد الدهر، وتخليد اسمه إِلى أبد الآبدين.

لم تعرف التسعون منك سوى أمرئ *** مـا مـدّ قـط لـغـير طـاهـرةٍ يـَدَا
هــذا مـقـامـك فـي الـخـلود فـفـز به *** وانعـَم فقد بلغ المسير بك المدى (2)
عليـه رحمة الله ورضوانه.

ملاحظّات وإشارات:
1 – بعض المعلومات الواردة فِي التعريف بفقيد الوطن الكبير، مصدرها حديث مطّول مع صديقي فوزي ابن الرَّاحل عبدالله عبدالكريم الجويفي ياور المًلِك، ومستخرجة مِن المقالة المنشورة بموقع: (الصَّيَّاد) تحت عنوان: "إِدْرِيْس بِوسيف كُنْت سكرتيراً لِلمَلِك".
2 – بيتا الشعر: من قصيدة رثاء طويلة، قالها الأستاذ بشير المغيربي فِي حق الشّيخ رحومة بِنِ محَمّد بِن رحومـة الصّاري أحد علماء زليتن، ويُعد المغيربي أحـد تلاميـذه. وقد قيلت القصيدة بعد وفاة الشّيخ مباشرة، والوفاة كانت يوم الاثنين 5 ربيع الأوّل 1388 هجري الموافق 27 يناير 1947. وقد نُشِرت أبيات مِن قصيدة المغيربي في كتاب: (أعلام ليبَيا)، للشّيخ الطاهر الزاوي، في وقفته فِي صفحتي (159/ 160) الخاصّة بالتعريف بالشّيخ الصّاري.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات