عندما ينتصر الجهل!

امحمد علي هويسة |
امحمد علي هويسة

أخطر تهديد يواجه أي مجتمع بشري ليس الفقر، أو الأوبئة، أو التضخم السكاني، بل الجهل، فهو مصدر جميع أنواع التخلف في الأمم قديماً وحديثاً، وآفة تولد الفوضى وتعمق الظلم بين الناس، وبالجهل والهوى تقترف الجرائم وتنتهك المحارم، وقد جاء ذكره في القرآن الكريم بمعنى الاعتقاد الفاسد علميا ومنطقيا وفطريا، وأمِرْنَا باجتنابه والحذر منه.. قال الله تعالى (خُذ العَفوَ وَأمُر بِالعُرفِ وَأَعرِض عَنِ الجَاهِلين)ـ 199ـ سورة الأعراف، والجهل إن كان بسيطاً أو مركباً فهو نقيض العلم وضد الخبرة في شتى مجالات الحياة.

في دول العالم الثالث وأمتنا العربية على وجه الخصوص تنشط ظاهرة الجهل وتزدهر بين شعوبها منذ قرون بعيدة، وتعد مسرحاً للصراعات العرقية، والجهوية، والدينية، ومرتعاً لأنظمة الاستبداد السياسي التي أنهكتها وجرتها للوراء

في دول العالم الثالث وأمتنا العربية على وجه الخصوص تنشط ظاهرة الجهل وتزدهر بين شعوبها منذ قرون بعيدة، وتعد مسرحاً للصراعات العرقية، والجهوية، والدينية، ومرتعاً لأنظمة الاستبداد السياسي التي أنهكتها وجرتها للوراء، وجعلت منها الأعظم تخلفاً، والأقل تقدماً وتطورًا، بل إنها تحتل الصدارة في معدلات الفشل بمختلف المجالات وشتى العلوم في عصرنا الحديث، وقد تناول العديد من المفكرين هذه الظاهرة بالبحث والتحليل، وبيان أثرها المدمر على مستقبل الأمة.. يقول الدكتور مصطفى محمود: " والشرق العربي الآن بكل ما فيه من جهلٍ وكسل هو كافرٌ بأوليات كتابه ودينه، فلا هو يقرأ ولا هو يتعلم ولا هو يعمل، وبدل العلم والعمل، لا نرى حولنا إلا الجهل والكسل، وكل واحد يتصور أنه من أهل الجنَّة لمجرد أن اسمه في بطاقة تحقيق الشخصية محمد، وأنه مسلمٌ بالوراثة وأنه يقتني مصحفاً، وينسى أن أول كلمة في القرآن هي (إقرأ) وأنه لا يقرأ، وأن الله يقول (اعملوا فسَيرى الله عَملكم) وأنه لا يعمل وإنما يتمدد على المقاهي ويتثاءب، بل إن العالم الغربي الأوروبي بما فيه من علم وعمل، ودأب ونشاط خلاق هو أقرب لجوهر الإسلام وهذا القرآن من هذا الشرق الكسول المتخاذل الغارق لأذنيه في الجهل المزري.. علينا أن نفهم القرآن قبل أن ندعي أننا من أهل القرآن".

وليبيا كغيرها من الدول التي ركنت شعوبها لجهالتهم، وانقادوا لأهوائهم، فأضحت تتهددها الأخطار وتتفاقم بها الأزمات، ولانستغرب حالة التخبط والفوضى التي تعيشها هذه الأيام، فهي نتاج طبيعي للجهل المستشري في أوصال المجتمع، والذي اتسعت دائرته بشكل مفزع على المستوى الشعبي على نحو فعال ما أشاع الآفات الفكرية والعقائدية من تطرف، وتعصب، وإقصاء، أما عن الجانب الرسمي والمؤسساتي فتتجلى تبعاته بحجم الإخفاقات التي صاحبت أداء الساسة، والمسؤولين على اختلاف مواقعهم في السلطة، تشريعية كانت أم تنفيذية، ولاشك أن عقدة الالتزام، والمهارة، والنجاح هي ديدن هؤلاء وهم يتعاملون مع ملفات الأزمة الراهنة.. كملف الحوار الوطني والتوافق السياسي، وتشريع القوانين وسن اللوائح، والقرارات التي من شأنها رفع المعاناة عن كاهل المواطن الليبي. وعلى الرغم مما أحدثته ثورة فبراير من تغيير على كافة المستويات، وعلى صعيد الحريات العامة تحديداً..

إلا أننا مازلنا نقبع داخل منظومة الجهل والوهم التي لم نفلح بالإفلات من نسيجها وتجاوز مخرجاتها، ناهيك عن السلبية والأنانية التي ضربت أطنابها في مجتمعنا الذي كان يعتبر أعظم المجتمعات العربية في تضامنه وتكافله الاجتماعي، وصار كل فرد منا لا يلوي إلا على نفسه، ولا يبحث إلا عن مصلحته!!. وانحصرت نجاحاتنا في تطبيع استخدام العنف كوسيلة لفض أي نوع من المشاكل والنزاعات، ماوسع رقعة الخلاف، وزاد من تعقيد الأزمة.

خَاصّة الجهل، ومن يملكونه من أصحاب المصالح، والساعين للسلطة متحمسون جداً لنشره بشتى الطرق والوسائل.. وسدنة الجهل هؤلاء يعملون على ترسيخ سياسة التجهيل المجتمعي المتعمد

إن خَاصّة الجهل، ومن يملكونه من أصحاب المصالح، والساعين للسلطة متحمسون جداً لنشره بشتى الطرق والوسائل.. وسدنة الجهل هؤلاء يعملون على ترسيخ سياسة التجهيل المجتمعي المتعمد تجاه ليس فقط البسطاء والسذج من الناس، ولكن هناك من المتعلمين وأصحاب الشهادات وقعوا في فخ هذا الطرح، وهذه الفئة المستغفلة من الليبيين بقدر ما يتم تجهيلهم وتغييب الحقائق عنهم سيكتشفون بعد فوات الأوان أن هؤلاء الذين وثقوا فيهم غاية الثقة يستخفون بهم، بل كانوا يرونهم كقطيع بشري يركبونه كمطية إلى أهداف شخصية لاعلاقة لها بالمصلحة الوطنية!. ولسدنة الجهل امتداد تاريخي يعود لعقود سابقة، فسياسة التجهيل المتعمد لغرض إذعان المجتمع واذلاله كانت ممنهجة ومنظمة في عهد معمر القذافي بما يخدم أيديولوجية نظامه الشوفينية وتمجيد أطروحاته، وكان أعوان النظام الجماهيري السابق، والمطبلون له، ينهلون من ذات العقلية المتصحرة التي ترفض الآخر، وتجابه الفكر بالقمع والبارود، وأبرز معالم تلك المرحلة الشاخصة هي سيادة ما يمكن أن نسميه بـ " أيديولوجيا الجهل " حيث دفعت المؤيدين للنظام لممارسة رد الفعل العنيف تجاه المعارضين، وزين لهم الجهل المقيت شرعية العنف الثوري والتنكيل بالخصوم، فنصبت المشانق بالميادين بديلاً عن منصات المحاكم والقضاء العادل، ورقَصَ الرعاع على جثامين الضحايا الأبرياء. وبعد نجاح ثورة فبراير بقي الجهل المجتمعي على حاله، بل زاد تفاعلاً وسطوة.. وأحدثت الأيديولوجيا السابوتاجية نمطاً متغولاً لأفراد وجماعات في ارتكاب أبشع الجرائم تجاه الدولة، والمواطنين السلميين.. من خطف، وقتل، وتخريب، ونهب الممتلكات.

في ظل جمود القوانين الناظمة، وغياب المحاسبة تتوالى التصرفات العبثية التي أنهكت الدولة وكبدت الخزانة العامة خسائر بلغت المليارات، وجرت البلاد الى كارثة اقتصادية محققة.

ويتزايد الجهل حدة ليسير الى أبعد من ذلك، فلم يكتفِ بما أصبنا به من مصائب، وكره وعداء بين بعضنا البعض، لنجد متطرفي الدين، أعداء الإنسانية، والوطن، وقد أوغلوا في المجتمع تكفيراً، وترويعاً، وانتهى بهم التخلف الفكري، والفقر في العلم والمعلومات الى انغلاق العقل والوجدان بحجج وبدع ما أنزل الله بها من سلطان.. وفي الجانب الآخر تتصاعد وتيرة الجهل في أقبح صوره بكم التجاوزات والمداهمات التي رسخت لثقافة الفوضى والتخريب، والعبث بمؤسسات الدولة ومقدرات الشعب. ففي ظل جمود القوانين الناظمة، وغياب المحاسبة تتوالى التصرفات العبثية التي أنهكت الدولة وكبدت الخزانة العامة خسائر بلغت المليارات، وجرت البلاد الى كارثة اقتصادية محققة.

ومنها: (أ) تلاعب الميليشيات المسلحة بقوت الليبيين.. بغلق المواني والحقول النفطية، وقطع خطوط الغاز، والكهرباء، والمياه. (ب) عمليات الاقتحام المتكرر لمؤسسات الدولة الرسمية وإعاقتها عن آداء عملها والقيام بواجبها التنموي، ولم تسلم من هذه الأفعال الخارجة عن القانون أياً من الشركات، والهيئات، والمصالح الحكومية على مستوى البلاد، بما في ذلك السيادية منها كالمؤتمر الوطني العام السابق، ومجلس النواب، ومجلس الدولة، والوزارات كالداخلية، والدفاع، والعدل.. إلخ، ولعل آخر هذه الخروقات، بل أسوأها ماتعرضت له هيئة صياغة مشروع الدستور بالبيضاء في ـ يوليو ـ 2017م من اقتحام فج لمقرها على يد جماعة (مؤدلجة)، واحتجاز كامل أعضائها لإجبارهم على التراجع عن نتيجة التصويت على مسودة الدستور!. وفات هؤلاء الفاعلين ـ المغفلين ـ أن هيئة الدستور منتخبة من الشعب، وللشعب آلية ديمقراطية لإقرار مشروع الدستور أو رفضه. (ج) شبكات التهريب بأنواعه.. من تهريب البشر، والنفط، والغذاء، والدواء.. وكل شيء!.

انتصر الجهل في المجتمع الليبي ما في ذلك شك، ونجحت أدواته في خلق البلبة والفوضى، ولم ترتقِ المعالجات إلى الحد من هذا الداء التراكمي

ويصطف بذات الطابور التخريبي مافيا سوق المال، من تجار العملة، وشركات غسيل الأموال. لقد انتصر الجهل في المجتمع الليبي ما في ذلك شك، ونجحت أدواته في خلق البلبة والفوضى، ولم ترتقِ المعالجات إلى الحد من هذا الداء التراكمي، فــ "الجهل ــ مثل جميع الأمراض العقلية ــ يحقق رابطة متينة بين الفئات المصابة به بغض النظر عن اختلافاتها الاجتماعية، ويرصها جميعاً صفاً واحداً ضد الأعداء وراء الجدار، في حالة استعداد دائمة للبدء في القتال . " ــ بتعبير الصادق النيهوم ــ.

ختاماً.. نحن لا نطرح أفكارا بقدر ماهي حقائق، ووقائع مؤلمة، والليبيون في واقع الأمر لا يعانون من أية مشاكل في بلادهم غير أنفسهم فهم من يخلقونها، والأطراف التي تدعي امتلاك القدرة على القيادة والإصلاح في هذه المرحلة الحرجة من سياسيين، أو عسكريين. برأيي لايملكون أدوات النجاح التي تمكنهم من إنتاج حلول ناجعة للأزمة أو تحقيق أي تقدم يذكر، فالعلة في منظومة الجهل التي تحظى بجيش جرار في كل المواقع وعلى كافة المستويات الاجتماعية، والسياسية، والأمنية.. ولن تهنأ البلاد وتستقر إلا عندما نحرر أنفسنا من قيود الجهل والوهم، وأن ننمي الوعي النقدي والتأمل في المفاهيم والأيديولوجيات، ومراجعتها بنظرة محايدة بعيدا عن التعصب، والسلبية. والدفع في اتجاه التعلم، والتعليم بنوعيه الكمي والكيفي.عندها فقط نستطيع أن نحيا الحرية، ونستشعر القيم والمبادئ التي نادت بها ثورة فبراير المجيدة.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات