مرحبًا بالمنضمين الجدد! فبراير تشق طريقها رغم كُلِّ الصعاب

شكري السنكي |
شكري السنكي

الدّكتور غسان سلامة المفكر والسّياسي اللبناني وأستاذ العلوم السّياسيّة فِي جامعة السوربون، والمبعوث الخاصّ الحالي للأمم المتَّحدة فِي ليبَيا، يرى أنه يمتلك الإمكانّات والفرصة، وقادر على ابتكار الأفكار والحلول الّتي قد تساعد الِلّيبيّين على التوصل إِلى الاستقرار والمُسْتقبل الواعد. جلس مع الكثيرين منذ أن تسلم الملف الِلّيبيّ فِي يونيه 2017م خلفًا للألماني مارتن كوبلر، ويعمل، منذ يومئذ، على توسيع قاعدة المشاركة ودائرة المشاركين كلما أمكن، وعدم ترك الحوار والعمليّة السّياسيّة الِلّيبيّة تدور بين طرفين فقط كمَا كانت قبل تسلمه ملف القضيّة. وأكد فِي حواراته الإعلاميّة والصحفيّة، أن الخلافات بين الِلّيبيّين ليست عصية على الحل، ويرى أن هُناك مفتاحًا لكل مشكلة، وليست هُناك مشكلة غير قابلة للحلول وهوة غير قابلة للردم، مضيفًا أنه سيعمل مع الجميع دون أن ينحاز لأحد مِن أطراف النزاع، أو يقصي طرفًا ويستبعد أطرافًا فاعلة ومؤثرة فِي المشهد الِلّيبيّ. وأنه سيعمل كوسيط وراعٍ لجهود الوساطة بين كافة الأطراف الِلّيبيّة وليس كوصي أممي على ليبَيا، مؤكدًا أنه سيدفع فِي اتجاه الحوار الِلّيبيّ – الِلّيبيّ.

ويخطط سلامة لضم المطالبين بِالعودةِ إِلى الشّرعيّة الدّستوريّة وفق آخر مَا انتهت إليه فِي 31 أغسطس 1969م (عودة الملكيّة)، وأنصار النَّظام السّابق (القذافيّون)، وممثلين عَن كافة الاتجاهات والتّيارات، كذلك المجموعات المُسلحة وما سمّاهم بـ(المهمشين).

أثارت نقطة مشاركة أنصار النَّظام السّابق أو مَا عُرف بـ(السبتمبريين) جدلاً واسعًا بين بعض الأطراف. وهُنا أقول، الانطلاق مِن إيقاف التشظّي والفرقة والنزاع المُسلح والسعي للحفاظ على اللحمة الوطنيّة والتعايش السّلمي، مِن خلال الحوار والقبول بالعملية السّياسيّة الّتي غايتها الوصول إِلى الاحتكام لصناديق الاقتراع، هو الطريق لحل الأزمة والمسار الّذِي يؤدي إِلى الحصول على الشّرعيّة المحليّة والدّوليّة. وأن المنطق والتجربة يؤكدان أن ليس هُناك خيار آخر لقياس خيارات الشّعب وتوجهاته سوى الانتخابات وصناديق الاقتراع، وأن كل الدول الّتي أنهت أزماتها نجد أن وثائق وفاقها الوطنيّ دارت جميعها حول نقطة رئيسيّة هي إجراء الانتخابات باعتبارها الطريق الوحيد الّذِي يحظى بالإجماع الدّوليّ والقانوني لمنح الشرعيّة المحليّة (الدّستوريّة) والدّوليّة لعملية انبثاق السّلطة وإعادة تشكيل مؤسساتها المختلفة.

وأؤكد أنه ليس هُناك اليوم أنصار لـ(النظام الجماهيري)، بمعنى مؤمنون بأن تعدد الأفكار وتنوع الأساليب يعتبر حجة لبطلان الأفكار.. ولا أحد يعتبر الحزبيّة إجهاضًا للدّيمقراطية على اعتبار أن «الحزبية خيانة، ومَنْ تحزب خان» كمَا جاء بالنص فِي كتاب القذّافي الأخضر. ولا أحد يعتقد بأن «المجالس النيابيّة تزييف للدّيمقراطيّة، والاستفتاء تدجيل على الدّيمقراطيّة»، كمَا جاء فِي (الكتاب الأخضر) الّذِي اعتبره القذّافي نظرية عالميّة ثالثة، وأصدر فصله الأوَّل تحت عنوان: (حل مشكلة الدّيمقراطيّة.. سلطة الشّعب)، وكان ذلك فِي العَام 1975م.

وليس هُنالك اليوم معتقد بالتصعيد بدلاً عَن إجراء الانتخابات، ولا مؤمن بأن لا نيابة عَن الشّعب والتمثيل تدجيل.. ولا هُناك مقتنع باحتكار الدولة للإعلام والصحافة كمَا فعل القذّافي مِن خلال قوانين «المصادر والتأميم» الصّادرة فِي العَام 1972م، معتبرًا «أن كُلِّ مَنْ يتكلم عَن حرية التعبير فهُو رجعي»، وقد أكد على هذه القناعة مرارًا، منها خطابه الّذِي ألقاه يوم 15 يناير 1976م.. وليس هُنالك مدافع اليوم عَن تحريم الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات ورافض حق التظاهر السّلمي كحق أساسي مِن حُقُوق الإنْسَان الّتي كفلتها كافة المواثيق الدّوليّة، وداعيًا في المقابل إِلى تفعيل مَا يُسمّى بـ(قانون الشّرف وقانون حمايّة الثورة)، القانون رقم 45 لسنة 1972م بشأن تحريم التظاهر والإضرابات والاعتصامات.

وليس هُناك اليوم مدافع عَن النظام الجماهيري أو مبشر بالكتاب الأخضر وداعٍ له، فلم نعد نسمع، ومنذ رحيل معمّر القذّافي، تنظيرًا أو تأطيرًا لأفكار القذّافي أو الدعوة إِلى البناء عليها وتطويرها. فهل ما زال موجودًا مَنْ هُو مؤمن اليوم بالإدارات الشعبيّة بدلاً مِن المؤسسات القائمة على منطق علمي وأسس صحيحة؟! أو مقتنع بتحويل السفارات إِلى «مكاتب شعبيّة»؟! أو مؤمن بتحويل الجامعات إِلى «ثكنات عسكرية»؟! أو معتقد بأن الجيوش تعني الاستغلال والتسيب والمجون والانفلات مثلما قال القذّافي إن (الجيش حشيش وطيش)، ولذا حلّ الجيش وأسس الكتائب الأمنية القائمة على حراسته، وأعلن قيام الشّعب المُسلح والمُقاومة الشعبيّة؟!

وهل هُنالك مَنْ هْو مقتنع بتحريم الملكية وتجريم القطاع الخاص كمَا فعل القذّافي ورسم سياسات حكمه بناءً على مقتضيات ذلك؟! فهل ما زال مَنْ هُو مؤمن اليوم بمقولة: «شركاء لا إجراء»، «البيت لساكنه»، «الأرض لمَنْ يحرثها وليست ملكًا لأحد»؟!

ولا أعتقد أن أحدًا على قناعة اليوم بأن جماهير الكرة أغبياء كمَا وصفهم معمّر القذّافي، أو يوجد مقتنع بـ(الرياضة الجماهيريّة) الّتي جاء بها القذّافي وألغى بموجبها المنافسات الرياضيّة ومسابقة الدّوري العام، معتبرًا الرياضة للممارسة وليست للفرجة والمتعة، وأن جمهور الكرة والمسرح أغبياء وسذج لأنهم مِن المفترض أن ينزلوا فِي الملعب ويلعبوا أو يغنّوا فِي الميدان ولا يكتفون بالفرجة والمشاهدة!

لا أعتقد ذلك وأن كُلِّ مَا ذُكر قد انتهى بانتهاء القذّافي وزمانه، وأن قبول المحسوبين على النَّظام السّابق بالانتخابات وصناديق الاقتراع، هُو تحول واضح وانتصار للدّيمقراطيّة، ومكسب يسجل لثورة فبراير!

ولا شكّ أن ترحيب المحسوبين على النَّظام السّابق بدعوة غسان سلامة وقبولهم بالمشاركة، يعني الفراق بينهم وبين مَا جاء به القذّافي وقام عليه نظامه الجماهيري. وَمِن جهتي أعتبر ذلك اعترافًا منهم بثورة فبراير، وتأكيدًا على أهم مكسب مِن مكتسباتها ألا وهُو حق التعبير والمشاركة والوصول إِلى السّلطة عبر صناديق الانتخاب والاقتراع.

وَخِتامًّا الشكر الجزيل لغسان سلامة ومرحبًا بِالمنضمين الجدد لفبراير الهادفة إِلى إقامة دولة مدنيّة دستوريّة ديمقراطيّة تسع الجميع.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات