إرهاب مانشستر وبروفيله الليبي

نورالدين خليفة النمر |
نورالدين خليفة النمر

غالباً ما يزعجني إهمال التفصيل الليبي وملابساته من الحدث سواءَ أكان إسهاماً في تمرير، ولسنوات، قوافل الهجرة غير الشرعية المغيّرة لديموغرافية الغرب أو حدثاً إرهابياً يمسّ مصالح ومؤسسات دوله في ليبيا أو إرهاباً يهّز مدنه، والتي تكون ليبيا المستبعدة من الاهتمام بمفارقاتها الصاعقة مصدره، وتربته، وبيئته المغذيّة. ومايُتعسني استبعاد المفسّر الليبي المؤهل في وسائل الإعلام الغربية الناطقة بالعربية والعربية المهيمنة على الرأي العام العربي بسبب النفوذ المالي للبلدان التي تموّلها، والتي لها أهدافها في تأزيم الحالة الليبية، واستبعاد المعطى الإنساني والثقافي الليبي من دائرة النقاش والتي يحاول كتبة صحافتها احتكار النيابة عن الليبيين في مهمة التفسير للرأي العام في الغرب للأحداث التي تصيبه ومازالت ستصيبه من أبناء العرب والمسلمين، ومنهم الليبيون، الذين وُلدوا أو ترعرعوا وتعلّموا في أحضانه.

فعن بوابة الوسط 25 مايو 2017، قدِّمت رئيسة وزراء بريطانيا الشكر لرئيس المجلس الرئاسي والشعب الليبي عما أبدوه من مشاعر العزاء والتضامن مع ضحايا تفجير مانشستر، مثمنّة قيام حكومة الوفاق الوطني فور إعلان هوية مرتكب الجريمة بعمليات أمنية طارئة لكشف كامل أبعادها.

المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني التي تعترف بها، دون حكومتين ليبيتين موازيتين، كحكومة شرعية الحكومة البريطانية التي استهدفها الهجوم الانتحاري مصيباً مدينة مانشستر البريطانية، فأودى بحياة عشرات المدنيين، أشار إلى "الأثر المروع" للإرهاب الذي راح طوال الست سنوات الماضية ضحيته المئات من خيرة الشباب الليبي في الحرب المعلنة ضده في ليبيا. الجهات غير الرسمية كالميليشيا السلفية المسميّة نفسها قوة الردع الخاصة بطرابلس تطوعت للقيام بإجراء على الميدان معلنة، في 24 مايو 2017 تمكنها من استدعاء أمّ الجاني الطرابلسية سامية الطبال وجرى استجوابها ثم أخلي سبيلها وقد أعلمت المحققين أن ابنها سلمان غادر ليبيا إلى إنجلترا قبل أربعة أيام من تفجير مانشستر واتصل بها وطلب أن تسامحه قبل ساعات من تنفيذه الهجوم الدامي، أما الوالد رمضان العبيدي الذي تعود أصوله إلى قبيلة كبرى في الشرق الليبي فتم اعتقاله وهو مازال رهن التحقيق. ووفقا لما تسرّب من معلومات أمنية ليبية، أنه كان عضوا في الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة المدعومة من تنظيم القاعدة في التسعينات، وفي هذا السياق برز اسم صانع القنابل عبد الباسط عزّوز الذي عاش في "إلز ـ مور" بمانشستر متخصصاً في صنع القنابل والمتفجرات في تنظيم القاعدة، والذي أقام في درنة، التي تحيط بها قبيلة العبيدات من 2012 حتى القبض عليه في الأردن من قبل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA فيما أوردته صحيفة "تليجراف" البريطانية، ديسمبر 2014. كما تمكنت قوة الردع أيضاً من إلقاء القبض على هاشم العبيدي شقيق الجاني مشيرة إلى انتمائه إلى تنظيم داعش الذي كان يخطط لحسابه هجوماً في العاصمة طرابلس.

إضافة ًللمُربّعات الثلاثة العائلي والتنظيمي، والبيئي الليبي إلا أن صديقاً لأسرة العبيدي في بريطانيا فتح لنا مُربعّاً شخصانياّ موازيا إذ نقلت عنه دون الكشف عن هويته، وكالة الصحافة الفرنسية أن الجاني أثار غضبه حادث مقتل صديقه الليبي عبد الوهاب حفيضة بعدما طارده وطعنه شبان بريطانيون في مانشستر. ورغم أن محاكمة الشبان البريطانيين القتلة لا تزال مستمرة إلا أن مفتعل جريمة مانشستر عبر بوضوح عن رغبته في الانتقام من بريطانيا لدورها المشبوه في ليبيا!

مجاراة للمحدّد المقترح من قبل م. موريس في كتابه " الإرهاب.. الظاهرة وأبعادها النفسية " للشخصية الإرهابية نقرّر أنه لايكون هناك فهمٌ صحيح للإرهاب،إلا إذا كان هناك تعامل معمّق مع القوى الداخلية الشعورية، واللاشعورية، والظروف الخارجية، التي توجّهها إلى نمط سلوكي عنيف هو السلوك الإرهابي. فالشخصية العنيفة والمتمرّدة تكون شخصية إرهابية، إذا زاد بدرجة ملحوظة إشباع حاجاتها ورغباتها الغريزية المكبوتة،على ماتتوقعه من مكاسب اجتماعية واقعية مُبرّرة أخلاقياً، بمعنى أن تفريغ طاقة غريزة العدوان في الفعل الأرهابي، يتم بصورة تفوق المبرّر الاجتماعي والأخلاقي. فبشاعة عمل الإرهابي الشاب استهدفت مجموعة معظمها من الفتيات المراهقات المقاربات لعمره، كُنّ يستمتعن بحضور حفل موسيقي.

في خبر بوابة الوسط الآنف ذكره أكدت رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي، في اتصالها الهاتفي مع رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، أهمية التنسيق بين الأجهزة الأمنية في ليبيا وبريطانيا، لكشف مخبآت الفعل الإرهابي والسلطات الأمنية البريطانية عليمة بتركيبة القوى الميليشاوية التي تتحكم في العاصمة طرابلس ومجلسها الرئاسي، واللاعبة معها وفيها بتشبيكة خيوط النزاعات، والتوافقات ستنظر بعين الشك والريّب في نوايا قوة الردع السلفية، الداعمة للمجلس الرئاسي ومبادرتها بالقبض على عائلة الجاني في طرابلس واستباق التحقيق معهم، والوصول بنيّة الوشاية والاتهام إلى بيّنات توّرط شقيقه بتحويل مبلغ مالي لأخيه وفي التخطيط لهجوم في العاصمة طرابلس لحساب تنظيم داعش، والإشارة إلى ماضي الأب وتحوّله من ضابط أمن سابق في العهد الدكتاتوري إلى راديكالي إسلامي معارض له في بريطانيا ونشاطه في شبكات الإسلاميين البريطانيين وعلاقته فيما بعد بالجماعة الليبية المقاتلة التي التحم وساهم تحت لوائها في الإطاحة بالنظام الليبي عام 2011 وهو مابوّأه الحماية وربما المكانة والفعالية في مقاليد السلطة في العاصمة طرابلس التي كانت بالتأكيد محلّ إعجاب واقتداء، واستلهام من الأبناء.

إذا انمحت غيوم الشك، وتأكدّ الخيط الأبيض من الأسود كيف ستتصرف الأجهزة الأمنية والاستخبارتية البريطانية، وبالتالي الحكومة البريطانية؟. هذا ماسيكون مثار تكهنات ستحسم مصيرها الأيام القادمة الصعبة. أعيش في الغرب ردحاً من عمري، وكوني تعلّمت في جامعته، واختبرت بما توّفر لي من اهتمامات مبكرة وإمكانيات، أحسب نفسي قد قاربت إلى حدٍّ ما ذهنيته وثقافته في ألمانيا التي تشكّل عموداً من أعمدته الفكرية والاقتصادية، والمجتمعية الراسخة وأني أعرف تقريباً كيف يفكر وكيف يتعاطى مع الأحداث التي تمسّه في صميم حياة أفراده، وكيف تكون ردود أفعالهم إزاء المهدّدات التي ما انفكت تعصف بهم وبحكوماتهم ومؤسساتهم ونمط ثقافتهم وعيشهم من مصائب الإرهاب الإسلامي الذي عايشت في ألمانيا أصداء حدثه الأكبر في نيويورك في 11 سبتمبر 2001 وتبعاته من أحداث شملت وتشمل حتى اليوم بلدانا في القارّة الأوروبية آخرها حدث مانشستر الراهن الذي ليبيا، وإن لم يتصدّر اسمها علنيا، هي البيئة العنفية المغذية والمسمّدة لجذوره المسمومة.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات