أكذوبة الأفضل

صالح الحاراتي |
صالح الحاراتي

فى إحدى خطب الجمعة المكررة؛ والتي أغلب خطابها مستنبط من معطيات ومفردات مضى عليها قرون، سمعت خطيبا واعظا من أهل الكلام الفضفاض يردد بفخر:
"نحن أحسن أمة، نحن أحسن من الغرب الكافر. نحن الأقوم". معللا ذلك بالقول "يكفى أننا مسلمون". ومبررا حالنا التعيس بالقول إن التخلف عندنا هو تخلف مادي فقط وسببه الاستعمار ومؤامرة الأمم الأخرى علينا! أما الأخلاق والقيم فهي بيننا وبينهم كالمسافة بين الثرى والثريا!.

وأردف قائلا.. انظروا إلى متانة وقوة علاقاتنا الاجتماعية، تأملوا أخلاقنا هي الأفضل مما هو لدى المجتمعات الأخرى.. الروابط الاجتماعية لدينا هي أفضل مما هو موجود فى بلاد الغرب!!.. والترابط الأسرى في مجتمعاتنا أكثر حميمية ومودة ورحمة…. إلخ!..

تململت في جلستي وأنا أحوقل ومن بجواري لمس ذلك.. وكنت أهم بمقاطعة الخطيب لاعترض على ما يسوقه من أكاذيب وقد تذكرت القول الذي يقول أن هناك من لا يرى فى قصر جميل إلا صفيحة القمامة!.

ما استوقفني هو أن خطيبنا لا يعرف أن الدول التي تقدمت شاعت لديها ثقافة الشفافية والمكاشفة والعلانية في النقد عند مواجهة المشاكل وعلاجها بدل ثقافة الستر والتستر السائدة عندنا والتى يحاول تسويقها صاحبنا من على منبره.

لا أعرف كيف نكون الأحسن بالرغم من ارتفاع معدلات الفساد والفقر والظلم والقهر

"نحن أفضل منهم" قول مضلل ووهمى يا عمي الشيخ.. ولعلك لا تعرف أنه من أبرز مميزات المجتمعات المتقدمة سعيها المستمر إلى المزيد من التطوير والابتكار والإبداع!. وعدم الوقوف والاكتفاء بتمجيد الماضي أو الحاضر.وهذا المنهج العملي يأتي من منطلق إيمانها الشديد بأن هناك على الدوام في الإمكان أفضل مما كان!. ولا يتشبتون بالماضي كما نفعل نحن في مجتمعنا المغيب والمغرر به من أمثالكم. بمثل فهمكم هذا تدخلون الناس في غيبوبة السكون والتيه خاصة عندما تكون "احنا أحسن من غيرنا" تكون من منطلق ديني!.

لا أعرف كيف نكون الأحسن بالرغم من ارتفاع معدلات الفساد والفقر والظلم والقهر مع إصراركم على التمسك بهذه المقولة العقيمة أننا الأفضل وأن ليس فى الإمكان أفضل مما كان!. فالكثيرون هنا لا يرون أن حال وطنهم على ما يرام!!!!.

لأننا وبنظرة عابرة إلى غيرنا من الأمم الصاعدة بقوة في عالمنا اليوم؟. والتي كانت في يوم من الأيام تصنف كدول متخلفة، بجانب أنها دول لا ثروات طبيعية لديها ولا تملك ربع ما نملكه من إمكانيات مادية هائلة ولكنها تفوقت علينا بلا دين!. لأن تلك المجتمعات أصبح شغلها الشاغل هو التركيز على المستقبل والإنسان الذي يصنع هذا المستقبل.

وإذا كانت هذه الرؤية سائدة ويرددها الكثيرون، وتلقى القبول والترحاب؛ فذلك لسبب منطقي هو أنها تعطي للذات راحة وسكينة مؤقتة بأنها على الطريق السوي والصواب..

بداية يا مولانا يجب أن تدرك أن هناك قيما إنسانية مشتركة لدى كل البشر مهما اختلفت دياناتهم وجنسياتهم.. وأن الأمر يعود لمسألة لم نعرها الاهتمام الجديرة به… فبعيدا عن تصور الكمال واليوتوبيا الأرضية أقول أنه في الدول المتقدمة يعيش الفرد في وطنه ضمن system وعلاقاته الاجتماعية فى حدها المعقول وغير المبالغ فيه لأن الجميع تحت مظلة القانون فلا يخاف المواطن بخسا ولا رهقا لحد كبير، ولذا ينطلق لتحقيق ذاته بلا قيود.

المجتمع المتقدم تمضي مسيرته في ظل نظام حياة معتمد من الغالبية أي نمط وأسلوب حياة يوفر الخدمات اللازمة ليعيش الإنسان براحة فهو لا يحتاج للغير بشكل كبير ليرتبط معه بعلاقات مصيرية قوية؛ بعكس المجتمع المتخلف فإن الفرد فيه يحتاج إلى مساعدة الناس له ليقوى على العيش، ولينال الحد الأدنى من حقوقه الطبيعية وهو ملزم برباط ما ولو كان واهيا مع رئيسه في العمل مثلا حتى يأمن أذاه.. وملزم وأن يحتمي بعائلته وقبيلته حتى تقوى شوكته ولا ينال ظلم الآخرين... وهكذا.

المواطن في المجتمعات المتقدمة ولاؤه وعلاقته القوية تكون أساسا مع الدولة والنظام القائم.. الذي يجد فيه الخدمات الأساسية بشكل مرضٍ "وليس مثاليا"؛ بحيث تصله الخدمات الأساسية. الماء والكهرباء والغاز، ومن حوله التعليم المتميز والمستشفيات، والأسواق والطرق ووسائل مواصلات.. إلخ. وفوق كل ذلك حقوق مصونة وقانون فوق الجميع مع تكافؤ الفرص إلخ.

نحن لا شك قد نجد لدينا بعض المزايا المتوارثة ولكننا نتوهم أننا الأفضل

(قلت ليس بشكل مثالي؛ لأن ذلك فى الجنة فقط..)، بينما في المجتمعات المتخلفة يحتاج الفرد إلى المساعدة و"الواسطة" من أبناء مجتمعه لكي يتحصل على حاجاته وحقوقه الأساسية؛ليكابد صعوبة الحياة، لهذا- الضرورة تحتم عليه أن يقيم معهم أواصر الألفة والترابط والإخلاص "ربما نفاقا "- ليوفروا له المساعدة وهو بدوره يقدم لهم ما يقدرعليه، فيبدو المشهد وكأننا الأكثر ترابطا ومودة.. وهذا ما يغيب ذلك عن الخطيب والداعية الذي يصرخ أمامي بمفرداته المكرورة..عندما يقول لنا تخديرا "احنا أحسن منهم" وكفى!. نحن مؤمنون وهم كفار ولهذا علاقتنا الاجتماعية أفضل مما لديهم.

التقيت مؤخرا بمتعالم يؤكد نفس رؤية الواعظ وهو يؤكد نفس النظرة المريبة للآخر؛ ويحدثني عن أحداث الأيام القريبة الماضية ويفسر لي موقف الدول الأوربية من مسألة اللاجئين، مؤكدا أن ما يقومون به هذه الأيام من إيواء اللاجئين ليس إلا لمصالحهم!. سألته .. كيف ذلك أيها العبقري الأريب؟.

قال لأنهم يستقبلون المهاجرين ليجنوا لهم محصول العنب!!. وليصهروا الكتلة الشابة منهم فى البلاد التى تفتقر للقوى العاملة!. فقلت وما العيب فى ذلك إذا توفر للمهاجر الأمن والاحترام والعمل والرزق... وإن كان وللوهلة الأولى ولسيادة مناخ عدم الثقة يبدو للكلام معنى، ولكن الحقيقة أن صاحبنا المحلل يتعامى عن حقيقة أخرى.. أن ذلك أمر يستطيعون تدبيره بكل سهولة بفتح باب الهجرة والتجنيس كما هو قائم فى كثير من الدول!. بل يتعامى أصحاب الشعارات عن أن أولئك هم من يستقبل الفارين من الحروب الأهلية بل ويستقبلون المضهدين الذين يدعون أنهم "الفارون بدينهم" مع أن البعض منهم يقوم بالدعوة من عندهم إلى الجهاد.. وإلى الجنة وحور العين لشباب الجيل الرابع من المهاجرين الأوائل!.

نحن لا شك قد نجد لدينا بعض المزايا المتوارثة ولكننا نتوهم أننا الأفضل بالرغم من أنه ليس لدينا نظام حياة يساعدنا على العيش بكرامة.. وعندما تحل الكوارث بأوطاننا (حروب، أمراض وآفات وكوارث طبيعية) لا نجد إلا أولئك "الكفار" ليساعدونا!. رغم استمرارنا في ترديد أننا الأفضل!.

فعلا... صرت مؤمنا بأن الإنسان يزداد غباء،
كلما ازداد يقينا بأنه أفضل من غيره في كل شيء.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات