للانتخابات الفرنسية رهان دولي

علي الدلالي |
علي الدلالي

تعتبر الانتخابات الرئاسية الفرنسية إحدى أبرز الانتخابات التي تشد اهتمام الفاعلين على الساحة الدولية، في السر كما في العلن، نظرا للمكانة التي تتبوؤها فرنسا، العضو الدائم في مجلس الأمن وثالث قوة نووية عالمية، في خارطة صناعة القرارات الدولية وتوجيه بوصلة العالم ورياحه على المستويات، العسكرية والأمنية والسياسية والدبلوماسية والاقتصادية.

وحازت الانتخابات الرئاسية الفرنسية للعام 2017 والتي انحصرت جولتها الثانية والحاسمة بين أمانويل ماكرون المحسوب على تيار الوسط ومؤسس حركة "فرنسا إلى الأمام" الفتية، ومارين لوبان مرشحة حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف، على أهمية خاصة على الصعيد الأوروبي. حيث يمكن القول بأن مصير الاتحاد الأوروبي بعد انسحاب بريطانيا بات مرتهنا لصناديق الاقتراع الفرنسية التي ستحدد يوم 7 مايو، أي بعد أقل من 72 ساعة، اسم القاطن الجديد لقصر الأليزيه.

وتحاول مارين لوبان، ابنة مؤسس حزب الجبهة الوطنية الذي أوصل هذا الحزب للمرة الأولى إلى الدور الثاني خلال انتخابات 2002 ضد الرئيس جاك شيراك وخرج مهزوما بعد أن رفضت شرائح واسعة من الشعب الفرنسي وقتذاك أيديولوجية هذا الحزب اليميني المتشدد القائمة على "كراهية الآخر ونبذ المهاجرين"، علاوة على مواقف أركانه المشككة في الهولوكوست، نزع غيوم الشيطنة على حزبها وأنسنة بعض شياطين التطرف وأيديولوجياتهم ما جعل بعض المحللين والمتابعين للشأن الفرنسي يرون أن وصولها إلى قصر الأليزيه بات محتملا وقد يكون محتملا جدا.

لا شك أن مصالح كل من واشنطن وموسكو تلتقيان على تفكيك الاتحاد الأوروبي

وبالفعل لعبت لوبان منذ سنوات وتحديدا بعد نجاحها في إقصاء والدها والعديد من الرؤوس الكبيرة في الحزب بعد أن أدركت أن "شيوخ الجبهة الوطنية" لن يقودوا حزبها إلى حسم السباق إلى كرسي الرئاسة على الإطلاق، على أنسنة مرتكزات أيديولوجية التطرف وباتت تستخدم مفردات أقل حدة. منها على سبيل المثال تقنين معدلات الهجرة بدل رفض الهجرة ومحاربة المهاجرين، غير أنها وجدت في تنامي العمليات الإرهابية في فرنسا فسحة لتمرير أيديولوجية "كراهية الآخر" بإعلان نوع من "الحرب الباردة" على المهاجرين من أصول إسلامية بحجة محاربة الإرهاب وسحب الجنسية من المتورطين في هجمات إرهابية، بل ورفض عودة ما يُعرف بـ "الجهاديين الفرنسيين من أصول عربية بطبيعة الحال" من مناطق النزاع في الشرق الأوسط (العراق وسوريا) وشمال أفريقيا (ليبيا) إلى فرنسا.

ويمكن، بحسب الكثير من القراءات للواقع الفرنسي اليوم، أن تُحدث نسخة 2017 من انتخابات الرئاسة الفرنسية تغيرات لا يمكن التكهن بها شبيهة بتلك التي أوصلت دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة في حين كانت معظم استطلاعات الرأي، إن لم تكن جميعها، تعطي الكرسي البيضاوي إلى الديمقراطية هيلاري كلينتون التي لم تستطع أن تخفي أمام عدسات المصورين وجه الصدمة والذهول عند سماعها بنتيجة الاقتراع وهي صدمة اجتازت حدود الولايات المتحدة الأمريكية وعبرت المحيط لتلقي بظلالها على العالم بشكل عام وأوروبا تحديدا.

وعلى الرغم من تصاعد الأصوات في أوساط الفاعلين السياسيين والاقتصاديين وقادة المجتمع المدني وكبار نجوم الفن والأدب والرياضة في البلاد لدعم مرشح حركة "فرنسا إلى الأمام" التي لم يمض على ميلادها عام واحد، إيمانويل ماكرون، في الجولة الثانية والحاسمة من الاستحقاق الرئاسي الفرنسي، فإنه يمكن ملاحظة أن هذا الدعم لم يكن في غالب الأحيان عن طيب خاطر. نظرا للشكوك التي تحوم حول حقيقة الانتماء السياسي لـلسيد ماكرون الذي سبق وأن عمل وزيرا في حكومة الرئيس الخارج الاشتراكي فرانسوا هولاند، وكذلك حول قدرته على قيادة فرنسا في هذه المرحلة الحساسة من المتغيرات الدولية، بقدر ما كان خيارا وحيدا ويتيما لقطع الطريق أمام صعود مارين لوبان وحزب الجبهة الوطنية إلى قصر الأليزيه.

ويمكن في هذا الصدد قراءة تصريحات الرئيس الفرنسي الخارج فرنسوا هولاند ودعواته المتكررة لدعم أمانويل ماكرون بل وتحذيره من احتمال اكتساح مارين لوبان للجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، على خلفية "الصدمة" التي أحدثتها الانتخابات الأمريكية في نوفمبر 2016 والتي جاءت بالرئيس الشعبوي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض الذي لم يتأخر في التشجيع على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ليس حبا في بريطانيا تأكيدا، ولكن خدمة للمصالح الاستراتيجية الأمريكية في خلخلة هذا الاتحاد.

إن النية المبيتة للسيدة مارين لوبان في السعي لانسحاب فرنسا من منطقة اليورو- رغم مناورتها المثيرة للجدل في الساعات الأخيرة من هذه المواجهة بإيجاد نظام بعملتين أي عودة الفرنك الفرنسي إلى جانب اليورو- قد يكون دافعا قويا لحصولها على دعم خفي من إدارة ترامب التي تعمل دون شك على إجهاض دول "منطقة اليورو"، وهو نفس التوجه الذي سمح لمارين لوبان أيضا بأن تحظى بدعم مباشر من موسكو حيث استقبلها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في خضم معركتها للفوز بمفاتيح قصر الأليزيه، وحصلت من خلاله على قرض من البنوك الروسية لحملتها الانتخابية.

لا شك أن مصالح كل من واشنطن وموسكو تلتقيان على تفكيك الاتحاد الأوروبي كقوة اقتصادية وسياسية وعسكرية مؤثرة في العالم. وهو أمر بات أكثر من ممكن بعد انسحاب بريطانيا من هذا الاتحاد. وبالتالي فإن مارين لوبان قد تكون، في حال فوزها، اليد التي ستطلق رصاصة الرحمة على الاتحاد الأوروبي وهو ما جعل اليمين التقليدي في فرنسا يتكتل مُكرها لدعم ماكرون.

ويرى محللون أن كل شيء بات ممكنا في آخر خط مستقيم في السباق إلى الأليزيه حيث بدأ الصراع يحتد بين الطرفين اللذين أخرجا كافة الأسلحة لمعركة كسب أصوات الناخبين الفرنسيين خاصة في صفوف المترددين رغم أن استطلاعات الرأي تعطي أفضلية لماكرون.

الانتخابات الفرنسية رهان دولي بامتياز نظرا لمكانة فرنسا على الساحة الدولية

وعلى الرغم من أن مارين لوبان غيرت استراتيجيتها في الصراع لكسب الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الفرنسية وعقدت لأول مرة في تاريخ حزبها تحالفا مع حزب محسوب على التيار الديغولي عندما جلبت إليها نيكولا دوبون إينيان زعيم حزب "فرنسا إنهضي" ووعدته بمنصب رئيس الحكومة آملة في كسب مليوني ناخب صوتوا لهذا الرجل وشنت هجوما عنيفا على ماكرون ووصفته بـ "المصرفي ونتاج روتشيلد ومرشح العولمة"، إلا أنه يبدو أن ماكرون كان مدركا لهذه المناورة وتعامل معها بتأكيد تمسكه بفرنسا داخل منظومة الاتحاد الأوروبي، مشيرا إلى أنه يتحدث عن اتحاد قادر على حماية الشعوب وتنظيم العولمة ومحذرا في ذات الوقت من احتمال إصرار الفرنسيين على الخروج من الاتحاد إذا بقي جامدا.

وألقت ذكرى "الهولوكوست" كالعادة بظلالها على الصراع المحموم على كرسي الرئاسة الفرنسية للسنوات الخمس القادمة فوجدت مارين لوبان نفسها مجبرة على الابتعاد عن "المشككين في المحرقة" ووضعت إكليلا من الزهور في مرسيليا على نصب اليهود المرحلين في غياب الصحافة في حين توجه ماكرون لزيارة نصبي ذكرى المحرقة وضحايا ترحيل اليهود في باريس، وزاد عليها بإحياء ذكرى اغتيال المغربي إبراهيم بوعرام على أيدي ناشطين من اليمين المتطرف قاموا بإلقائه في نهر السين في عطلة عيد العمال من عام 1995.

إن الانتخابات الفرنسية رهان دولي بامتياز نظرا لمكانة فرنسا على الساحة الدولية. وأعتقد أن الذين يقولون بأن هذه الانتخابات لن تؤثر علينا في عالمنا العربي أو في محيطنا وعمقنا الجغرافي الأفريقي تحديدا مخطئون لا يفقهون شيئا في رياح السياسة. ومن هنا فإن الذي سيتسلم مفاتيح قصر الأليزيه سيؤثر فيما يجري في بلادنا شئنا أم أبينا، سواء على حدودنا الجنوبية مع منطقة الساحل الأفريقي المضطربة حيث تتمركز قوات فرنسية في إطار عملية "برقان" أو على ساحلنا المطل على البحر المتوسط الذي يعج بمراكب الموت.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات