نسبية وتداول

صالح الحاراتي |
صالح الحاراتي

هناك ثنائيات مكررة في أحاديثنا، ولكني أحسبها جزءا من الكلام الفضفاض!. مثل الحق والباطل، الخير والشر، وغير ذلك الكثير.. ولكني أحببت أن أذهب إلى ثنائيات أحسبها محددة المعنى وربما ترتقي إلى مواصفة جودة فيما يتعلق بالحياة وبالحكم الرشيد.. وفي مقال سابق كان عنوانه (غياب واكتساب) ذكرت أمرين غائبين أظن وجوب الاهتمام بهما، يتمثلان في "غياب ثقافة المشاركة؛ واكتساب مرونة التفكير". وهنا أحاول أن أشير باختصار إلى مسألتين هما "تداول السلطة، ونسبية الحقيقة " دون الخوض فى الكثير من التوصيف الممل.

من البديهي أن هناك دوافع ومسببات لما نحن فيه من صراع ودمار ومآسٍ ، ولعله من المنطقي أن نحاول البحث عن تلك الأسباب والدوافع بكل صدقية ومكاشفة..

وتحضرنى إجابة مباشرة يرددها الكثير منا تقول: إن سبب ما نحن فيه هو (الصراع على السلطة). نعم. هو كذلك. وتلك مسألة يتفق عليها معظم من يتحدث فى الشأن العام.. ولكن يأتي السؤال الجوهري الذى يتبع الإقرار بذلك الأمر.. وهو كيف نتعافى من ذلك الصراع وكيف استطاعت مجتمعات أخرى تجاوز هذه النزعة الغريزية في الاستحواذ؟. وصار لديها اليقين بأن "تداول السلطة" خير من الاستحواذ عليها وإقصاء الآخر. واستقرت مسألة بديهية في أذهانهم أن ذلك هو الطريق الآمن لأجل استتباب السلم الأهلى والتفرغ للبناء والتطوير.

المطلق مطلق ولكن الفهم البشري والتفسير البشري لأي جانب من جوانب المطلق هو "فهم نسبي"

ولا بأس من تساؤلات لاحقة تبحث عن إجابات شافية؛ لماذا لم نتعلم ونستفد من تجارب أمم أخرى سبقتنا في العلم والتقدم على كافة المستويات؟.. ما هي المرتكزات الغائرة في عقولنا من موروثنا الثقافي الذي يحول دون التعلم والاستفادة من تجارب المجتمعات التى تنعم بالرفاهية والنمو؟.. هل موروثنا يفتقر إلى قبول الآخر والنزوع إلى الاستعلاء وتبجيل منهج الغلبة والبطل الفرد؟..
وإذا كانت الإجابة بنعم، وأظنها كذلك.. فيا ترى ما سبب ذلك؟.

هل السبب يتعلق بتشبثنا بالمطلقات وثنائية الفسطاطين، مثل الكفر/الإيمان..الحق/والباطل رغم نسبية الحقيقة.. أم أن عقولنا تزخر باستعلاء الإيمان "وخير أمة" وشعر الفخر الذي يمجد ولا ينتقد مثل "لنا الصدر دون العالمين"!!.. إلخ، من شعارات الفخر والاستعلاء.

فى تقديري: الأمر يستدعي، ولا شك، مراجعة شاملة "للركام المعرفي" المتوارث في هذه المنطقة من العالم حتى نصل إلى فك الارتباط بتلك المعوقات وصولا لليقين بأمرين في غاية الأهمية برأيي و هما "وجوب تداول السلطة"؛ و"نسبية الحقيقة ".

وعن نسبية الحقيقة أذكر قولا لمحمد جابر الأنصاري في كتابه "تجديد النهضة باكتشاف الذات ونقدها":

(يجب أن يكون واضحاً في غاية الوضوح: أن المطلق مطلق، ولكن الفهم البشري والتفسير البشري لأي جانب من جوانب المطلق هو "فهم نسبي" ).

ليس الأمر بالهين أو السهل، قطعا. ولكن لا مناص من قطع خطوات على ذلك الطريق.. طريق المكاشفة والصدق مع النفس والاعتراف بنسبية الحقيقة خاصة أن هناك علاقة وثيقة وصلة رحم بين تداول السلطة ونسبية الحقيقة؛ فالإيمان بتداول السلطة يعني في باطنه أن الكمال الإنسانى صعب التحقق واقعا وأن الخطأ من طبيعة من يعمل. ولذا فليأخذ كل ذي صفة فرصته ويتنحَّ تاركا الفرصة للتصحيح والتقويم المستمر... والإيمان بنسبية الحقيقة يغذي منهجية التداول ويمنع العصمة عمن فى السلطة، وبذلك تخدم المضي فى نهج تداول السلطة لا تأبيدها.

الشاهد أنهما مسألتان جوهريتان للخروج من نفق العصور الوسطى، نفق الصراع الدموي.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات