بائع الخبز

علي الدلالي |
علي الدلالي

يستيقظ إبراهيم (68 عاما) كل يوم مع الخيوط الأولى للفجر. يتوضأ ويصلي في بيته ثم يتناول قطعة خبز مع قليل من زيت الزيتون وكوبا من الشاي الأحمر أعدته زوجته على عجل في معظم الأيام، وبين الحين والآخر القليل من "البسيسة" (طحين أساسه البقوليات يُخلط مع الزيت) وحبات من التمر أو قُرصة بالتمر المعجون، وكوب الشاي الأحمر الذي لا يفارقه كل صباح.

ينتظر إبراهيم أن يتنفس الصبح ليفتح باب بيته (حوالي 120 مترا مربعا في أحد الأحياء الشعبية الفقيرة غرب العاصمة طرابلس يعود بناؤه إلى ستينيات القرن الماضي)، يدفع أمامه عربة بدولاب واحد (برويطة في اللهجة العامية تستخدم عادة في نقل مواد البناء أو في المزارع )، ويخرج إلى الشارع الترابي حتى اليوم- رغم أن هذا الحي لا يبعد عن ميدان الشهداء في قلب العاصمة طرابلس سوى 3 كيلومترات- بعد أن يتمتم بعبارات غير مفهومة لمن يسمعها يتضرع بها- فيما يبدو- إلى الله راجيا مساعدته وطمعا في رزقه، ليجوب شوارع الأحياء المجاورة وأزقتها قبل أن تبدأ المدينة في الإستيقاظ.

قام إبراهيم وهو أب لخمسة أبناء (ولدان و3 بنات) بإدخال تحويرات على تلك العربة اتي ترافقه كل صباح منذ عام 2009 عندما تقاعد من عمله بأحد المصانع بمرتب 250 دينار ليبي (حوالي 200 دولار أمريكي وقتذاك)، وشمله الحد الأدنى من الأجور بعد ثورة 17 فبراير التي أطاحت نظام العقيد القذافي ليتقاضى اليوم 450 دينار(حوالي 70 دولارا بحسب سعر الصرف في السوق السوداء اليوم)، وذلك بتثبيت صندوق خشبي فوقها صنعه بنفسه لتلائم العمل الذي اضطر للقيام به مكرها لتوفير لقمة العيش لأسرته في حدها الأدنى ومواجهة جنون الأسعار الذي بات يلهب ظهور الليبيين والليبيات ويدفعهم لأن يشكو لله أوصاب دنياهم رغم أنهم يسبحون على بحيرات من النفط والغاز والمياه الصالحة للشرب والزراعة ويتوفرون على أطول ساحل على البحر المتوسط (حوالي 2000 كلم) وصحراء عذراء وموروث ثقافي غني لحضارات إنسانية ضاربة في أعماق التاريخ.

مرت الأيام تترى وتعوًد إبراهيم على هذا العمل الذي فرضته عليه الظروف وخفت حدة الرفض عند أسرته

قرر إبراهيم لمواجهة الأوضاع الصعبة التي عصفت بالليبيين والليبيات وقذفت بليبيا على طرق الضياع بسبب الصراع المدمر على السلطة والمال بين متصدري المشهد الليبي والانتشار الواسع للسلاح وبروز المئات من الميليشيات المسلحة المؤدلجة والإجرامية التي أغرقت البلاد في حالة من الانفلات الأمني المستعصية وانتشار الفساد ونهب المال العام والعبث بالنفط الذي يمثل 98 في المائة من دخل البلاد من العملة الصعبة وتعطيل برامج التنمية وانهيار مؤسسات الدولة بشكل عام ومؤسسات التعليم والصحة والاقتصاد بشكل خاص، أن يبحث في هذه الفوضى عن أي عمل يوفر من خلاله البعض من المال ليعول أسرته خاصة وسط تأخر صرف المرتبات وأزمة السيولة المستفحلة في المصارف، ووجد ضالته في جمع بقايا الخبز من القمامة وأمام البيوت.

بدأ إبراهيم هذا "العمل" وهو يشعر بكثير من الحرج حيث كان يجوب شوارع الأحياء القريبة من الحي الذي يسكن فيه يقلب أكياس القمامة ويجمع بقايا الخبز في الصندوق الذي ثبته فوق تلك العربة ويستمر على تلك الحال لساعات طويلة.

وخلال تجواله في شوارع تلك الأحياء التي تقطنها طبقة من "الميسورين" تعرف على أحد السكان غير بعيد عن حيه تعاطف معه، فطلب منه أن يساعده في ترك عربته بما تحمله من بقايا الخبز في مستودع سيارته ويعود لأخذها مع قدوم الليل في محاولة لتجنب عيون الجيران وحالة الرفض التي كانت تمزق قلبه بعد أن يقرأها في عيون ولديه وبناته.

مرت الأيام تترى وتعوًد إبراهيم على هذا العمل الذي فرضته عليه الظروف وخفت حدة الرفض عند أسرته، وتعود سكان الأحياء بدورهم على مروره كل صباح فباتوا يضعون بقايا الخبز في أكياس منفصلة عن القمامة ما جعل إبراهيم يشعر بشيء من التصالح مع كبريائه ونفسه الموجوعة بتخلصه من البحث في القمامة حيث بات يجمع الخبز ويعود به إلى بيته يدفع عربته أمام الجميع دون أن يضطر لتركها حتى أول الليل عند "صديقه" بعيدا عن الأنظار، فيما بدأ جيرانه في الحي يرسلون بقايا الخبز مع أطفالهم إلى بيته.

يقوم إبراهيم عند المساء تساعده زوجته بتقطيع الخبز إلى كسر صغيرة ويحمله فوق سطح بيته لتجفيفه تحت أشعة الشمس ثم يجمعه في أكياس كبيرة يقوم يوم الجمعة ببيعها في نقطة تجميع ظهرت مؤخرا في منطقة غوط الشعال (الضاحية الغربية) حيث يأتي إليها مربو الماشية بشاحنات نقل خفيفة ومتوسطة يشترون بقايا الخبز المجفف ليضيفوه إلى علف الحيوان الذي ارتفع سعره بشكل كبيرعلى خلفية ارتفاع الأسعار الذي تشهده البلاد ما جعل سعر كيلو لحم الخروف يتجاوز لأول مرة يوم الجمعة الماضي عتبة الـ 28 دينارا فيما بلغ سعر الماعز 30 دينارا للكيلوغرام وسعر لحم الإبل 25 دينارا والبقر المستورد من إسبانيا ما بين 20 و30 دينارا للكيلو غرام الواحد بحسب النوع وتراوح سعر الدجاج بين 8.5 و9 دينارا للكيلوغرام بعد أن كان تجاوز قبل أسبوعين عتبة الـ 10 دنانير.

وعلى الرغم من ارتفاع سعر الدقيق من 3 دينارات للكيس وزن 50 كلغ قبل عام 2011 ليصل اليوم إلى ما بين 40 و45 دينارا فيما بلغ العام الماضي ما بين 90 و95 دينارا، الأمر الذي جعل سعر رغيف الخبز يتضاعف 10 مرات دون أن تحرك الحكومات المتعاقبة في ليبيا ساكنا، إلا أن الليبيين لا يزالون يقبلون على أكل الخبز بكميات كبيرة باعتباره طعاما أساسيا في البلاد واستمروا في شراء كميات تزيد عن استهلاكهم واستمر إبراهيم (.) في دفع عربته كل يوم ليجوب الأحياء القريبة من بيته لالتقاط بقايا الخبز الذي بات يشكل له دخلا أساسيا يساعده على مواجهة المتطلبات البسيطة لأسرته.

يعيش إبراهيم بيننا جسدا وروحا ولم يأت من قصة خيالية أبدعها كاتب بحجم الفرنسي دومنتبان

إن قصة إبراهيم بائع الخبز ليست من نسج الخيال بل هي عينة من صور الحياة في ليبيا التي أضحت اليوم صعبة وصادمة على كافة المستويات وليست لها علاقة برواية "بائعة الخبز" الشهيرة للمؤلف الفرنسي كزافييه دومونتبان الصادرة نهاية القرن التاسع عشر.

يعيش إبراهيم بيننا جسدا وروحا ولم يأت من قصة خيالية أبدعها كاتب بحجم الفرنسي دومنتبان، ولكن مأساة إبراهيم اليوم غير بعيدة عن مأساة الأرملة "جين فورتيه " بطلة قصة كزافييه دومونتبان رغم الفارق الشاسع بين "الخبز الليبي والخبز الفرنسي"، إذ يجمع بين "بائع الخبز الليبي" و"بائعة الخبز الفرنسية" المعاناة من الظلم الذي يعتبر من أبشع جرائم الإنسان.

خرجت رواية "بائعة الخبز" الفرنسية على خشبة المسرح ثم انتقلت إلى السينما واشتهرت بعد ذلك كمسلسل تلفزيوني أعجب الملايين.

لست كاتبا للأسف الشديد لأحمل قصة إبراهيم إلى المسرح أو السينما أو التلفزيون ولكنني أعتقد أن بائع الخبز (في بلادي) وهو نتاج معاناة حقيقية أكبر وأشجع من بائعة الخبز (في فرنسا) وهي نتاج خيال أدبي.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات