المُظاهرة المسروقة

نورالدين خليفة النمر |
نورالدين خليفة النمر

الحقوقية والكاتبة عزّة المقهور في مقالها "مظاهرات على المسطرة"! استنكرت على من وصموا متظاهري طرابلس يوم 17 مارس2017 بـ"المندسين" واصفين مطالبهم بـ "الشعارات التي في غير موضعها" وهتافتهم بـ " الهتافات السيئة"! وهم يطلقون النار ناشدتهم بأن يعيدوا لطرابلس عقلها الذي سرقوه حتى يطلبوا من العُزّل مظاهرات على المسطرة!

بالعكس من الكاتبة عزّة المقهور التي تصغرني والتي أدركت في صباها المسيرات المدرسية المدّجنة، تفتّحت شهيّة تمرّد صباي على المظاهرات العاصفة، واحدتها مظاهرة عام 1964، وقد ابتعثني أمي لشراء خبز الصباح، فصرت في قلب المتظاهرين المارّين من إعداية باب بن غشّير الذين كانوا شباباً أكبر من أعمارهم هاتفين بسقوط قائد "قوة دفاع برقة" محمود أبو قويطين وبحياة "رئيس الحكومة" المطاح بها محي الدين فكيني.

في الأخلاقيات الأرسطية يقع الملك في سقطة التراجيديا، وفي تراجيدية التاريخ يكبو الشعب الذي يتحشّد ليتظاهر متجاوزا وطنية عام 49ـ 1950 لإسقاط مشروع بيفن-سفورزا الوصائي، وديمقراطية عام 1952 ضد تزييف الانتخابات البرلمانية الأولى إلى قوموية عام 1964 فيما اُشتهر بمظاهرة 14 يناير الطلابية، وإن تعدّتهم فشملت فئات أخرى من الشعب. ولكي نتجاوز الوجدانات والمشاعر بعقل التاريخ ومسطرته، نرصد الحقائق الموضوعية التي كانت وقت ذاك على الأرض فنتكلّم في الإخفاقات التي عصفت بالمظاهرة والقوى التي استلبت مضمونها وسرقته.

القوة المُستلِبة الأولى كانوا القوميين الذين تأطروا مبكراً فيما عُرف بـ "تنظيم البعث" فهم من وقف تنظيمياً وراء المظاهرة التي كان أساسها طلابياً، ولكن من قاموا بتحشيد الشارع وتأجيج سخطه هم "القوميون الإسلاميون "الذين مازجوا بين التوجّهات القومية العلمانية ونزعتهم الإسلامية المعتدلة والذين تصدّرتهم" المجموعة البرلمانية "التي تبنّت المظاهرة وكانت مقالات السياسي علي وريث صاحب جريدة البلاغ في طرابلس صوتها الصحفي المؤجج.. فالقوميون باتجاهيهما هم من قفزوا مستثمرين الحدث السياسي، واستلبوا مبكّراً المضمون الاجتماعي الديمقراطي لتحرّك الطلبة محوّرين توجّهه من تغيير اجتماعي كان مأمولاً من "حكومة فكيني" الليبرالية التفاعل الإيجابي مع مطالبه، إلى توجّهات قومية شعارية عكست هشاشة الوطنية الليبية التي خضعت وقتذاك معنوياً لنفوذ النظام الثوري المصري الذي استلبها بأن روّجت لطموحاته السياسية البرجماطية التي أظهرها ما أسماه بمشروعه القومي، في محورة سخط الشارع الليبي وتذّمره غير المرّشد في مضادة القواعد العسكرية الأجنبية.

غياب القيادة الموَّحدة القادرة على تطوير الانتفاضة ومدّها إلى كل أقاليم ليبيا وعدم تجانس وتوّسع "اللجنة التحالفية" بمدينة بنغازي، التي تصدّرت القيادة، كان العامل الثاني الذي استلب المظاهرة مضمونها الديمقراطي التغييري، وأدخلها في تسويات مع التيار القبلي المحافظ، لم تكن في صالح المسألة الوطنية ممّا سمح للمكوّن الاجتماعي المسمّى "أعيان المدينة" من الالتفاف عليها وتوجيهها لاغتنام بعض المكاسب الشخصية وتجلّى ذلك في تشكيلة الوفد الذي حمل المطالب الشعبية إلى الملك، الذي نجح في إحتواء أعضائه من أعيان بنغازي فأسبغ على رشيد الكيخيا، ومحمد لنقي شرف العضوية في مجلس الشيوخ، وعيّن الطائع البيجو عميداً لبلدية بنغازي، كما أوقعت خبرة القصر ودرايته بالتركيبة الاجتماعية الليبية بعض قيادات المظاهرة في فخ الاندراج في الحساسيات المزمنة بين القبائل وحواضر المدن.

إن الاستلاب الأبرز لمظاهرة عام 1964 والذي لم تولِ الأجهزة الأمنية للنظام الملكي وقتذاك تداعياته الأهمية القصوى؛ وتمّ التعامل معه بتسامح خالف مبدأ الانضباط بعدم التسيّس الذي ينبغي أن تقوم عليه المؤسسة العسكرية، هو الحدث الذي وقع في ثكنة البركة في المدينة الكبرى الثانية بنغازي التي انطلقت منها شعلة المظاهرات ممتدة إلى المدينة الأولى طرابلس وأنحاء أخرى من الغرب الليبي.

إن ماسيكون إرهاصاً ومقدّمة من مقدّمات الانقلاب العسكري الكارثي في عام 1969هو الشكل الذي اتخذته ردّة فعل عدد من ضبّاط الثكنة والأسلوب الذي عبرّوا به عن تذّمرهم واستيائهم من الطريقة التي تعاملت بها قوّات الأمن مع المتظاهرين، والتي اتّسمت بالعنف والقسوة، وهو ما دعاهم إلى التوّجه إلى المستشفى للتعبير عن تضامنهم مع المتظاهرين المصابين مخالفين بذلك الأوامر المشدّدة المانعة لخروج الضبّاط من المعسكرات بعد انتهاء ساعات دوام العمل.

الفريق محمود أبوقويطين قائد قوّات دفاع برقة، الذي حُمّل لخلفيته القبلية مسؤولية إسقاط "حكومة فكيني" الليبرالية، وقمع المظاهرة، حضرإلى ثكنة البركة للاجتماع بالضبّاط طالباً منهم التزام معسكرهم وعدم إثارة البلبلة وترديد الشائعات. إلا أن كلمته قوبلت بعاصفة من التعليقات الغاضبة والمستفزة من قبل الضباط مما دفعه إلى قطع حديثه ومغادرة المعسكر في إشارة واضحة للوضع الحرج الذي وضع نفسه فيه بتجاوزاته في مواجهة المتظاهرين الغاضبين.

هذا الاختراق السياسي لمؤسسة الجيش، الذي افتعلته مظاهرة 1964، والأعمال التخريبية والجنايات ضدّ اليهود الليبيين التي قام بها بعض من ضبّاط الجيش برّتب روّاد في طرابلس تعبيراً عن صدمتهم من هزيمة الجيوش العربية أمام الجيش الإسرائيلي عام 1967، والمحاولة الفاشلة عام 1961 التي دبّرها ضباط موالون للواء السنوسي الأطيوش الذي ينتمي إلى قبيلة المغاربة البدوية في الشرق الليبي بسبب إقالته من منصبه رئيساً للأركان، وغيرها من الأحداث هي التي ربما عجلّت بالقوى الدولية واحتكاراتها النفطية في حسم أمر النظام الملكي بالشكل الذي ارتأته عام 1969.

اليوم القوى التي تسرق المظاهرات هي ذاتها السياسيون الذين صاروا سماسرة مؤدلجين والقبائليون والعسكرتاريون، المضمون الذي يمكن سرقته هو الذي للأسف لم يعُد موجوداً.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات