مركز دراسات جهاد الليبيين 1977-2010: حافظة لذاكرة الوطن وإنجاز لكل الليبيين

د. على عبد اللطيف حميده |
د. على عبد اللطيف حميده

ونحن في خضم إعادة بناء الدولة المدنية الوطنية الليبية بعد ثورة 17 فبراير هناك ضرورة لأن نعمق الوعي بمؤسساتنا العلمية والمدنية والأهلية فهي أساس لإعادة البناء وخاصة بعد تحطيم وتهميش العديد عن مؤسساتنا في عهد الدكتاتوري الشمولي السابق.

أيضاً من الإنصاف والحكمة إلا نكرر خطيئة النظام الشمولي السابق والذي دمر وهمش إنجازات جيل الاستقلال والحكم الملكي ومن ثم أرى ضرورة أن نكون منصفين وموضوعيين تجاه بعض المؤسسات والشخصيات الوطنية التي كبحت السياسة الفوقية والشعبوية وحاولت إنقاذ ما يمكن إنقاده في ظروف صعبة وسياسات قمعية لاتعترف بشرعية الاختلاف، ناهيك عن الكفاءة والمعرفة والولاء للوطن ليبيا.

ورغم أن مركز الجهاد للدراسات التاريخية دعم من قبل النظام الشمولي السابق إلا أن حنكة وحكمة وقيادة الدكتور محمد الطاهر الجراري وفريق الباحثين والباحثات في المركز استطاعت أن تحقق إنجازا وطنيا وعلميا على مستوى عالمي في حفظ ذاكرة تاريخ الشعب الليبي بمعيار ومستوى أداء محترم ومتقدم. صحيح أن النظام السابق ضغط على المركز لإعطاء بعض الطقوس والمؤتمرات التعبوية ذات المغزى السياسي، ولكن من الإنصاف أن ندقق في الإنجازات الكبيرة لهذا المركز وأن ننصف ونقدر قيادته وباحثيه.

إنقاذ واستمرارية المركز الذي أصبح اسمه الآن المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية أولوية وطنية ليبية

نجح المركز تحت قياده الدكتور الجراري بشراء آلاف الوثائق باللغات الأجنبية من الأرشيف التركي والعثماني والإيطالي والفرنسي والأمريكي. قام يترجمه وطبع مئات الدراسات والكتب عن تاريخينا المنسي والمهمش، والأهم قام الدكتور الجراري والباحثون في المركز في طرابلس وبنغازي بالقيام بعمل علمي ووطني على مستوى عالمي. كان الأساس في هذا العمل الوطني تسجيل التراث والتاريخ الشفاهي للمرحلة الاستعمارية وحركات الجهاد الوطني ضد الغزو الإيطالي من خلال تدريب وإعداد الباحثين الليبيين للقيام بهذا العمل العلمي والوطني في كل أنحاء ليبيا. استطاع الدكتور محمد الطاهر الجراري أن يقود هذا الإنجاز الكبير والعالمي بالاستعانة بأهم خبير في العالم في مجال التاريخ الشفاهي وهو البروفسور جان فانسينا أستاذ التاريخ بجامعة وسكنس الأمريكية العريقة. هذه العملية العلمية الرائدة أنجزت أهم تجميع للتاريخ الشفاهي ( وهذا ما قاله لي البروفسور فانسينا) في العالم وليس فقط في إفريقيا والعالم العربي.

مؤسسة مركز جهاد الليبيين، وهي الآن برأي أهم مركز في البلاد، تعتبر ذاكرة الوطن وخزانته وهو إنجاز للوطن وللأجيال القادمة. هذا الإنجاز في غاية الأهمية خاصة أنه أنجز في ظروف سياسية صعبة أحادية وشمولية. في هذا المركز نحفظ وثائق روايتنا الشفاهية بالإضافة إلى مكتبة بها آلاف الكتب، والمذكرات والوثائق التي نشرها المركز خلال العقود الأربعة الماضية، ناهيك عن المؤتمرات العلمية داخل والخارج ليبيا. كما أنه من الإنصاف أيضاً أن نقدر دور المركز كمنبر مفتوح للمثقفين والأكاديميين الليبيين في قاعة المجاهد والتي ساهمتُ في إلقاء المحاضرات فيها منذ منتصف التسعينات.

إن الوعي والحرص على هذه المؤسسة العلمية الفريدة في غاية الأهمية. بل أزعم بأن إنقاذ واستمرارية المركز الذي أصبح اسمه الآن المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية أولوية وطنية ليبية حتى يمكن الحفاظ عليها والوعي بأهميتها. وهنا أرى أنه من الإنصاف أن نثمن الدور الريادي والحكيم للدكتور محمد الطاهر الجراري الذي أسس وقاد هذا المركز مع مجموعة ليبية مخلصة ووطنية وغيوره على تاريخ ليبيا في ظرف سياسي ونفسي لا يعترف بالمؤسسات ويرفض التوثيق، بل أنه أحرق حتى الآلات الموسيقية ودمر مكتبة جامعة طرابلس. وذلك لأن همه كان عبادة الزعيم الأوحد الذي صار ملك ملوك إفريقيا.

شكراً للدكتور محمد الطاهر الجراري وفريق الباحثين والباحثات في فرعي المركز بطرابلس وبنغازي على حفظ ذاكرتنا وتاريخنا الشعبي في ظروف ليست سهلة، بل مدمره.
مركز المحفوظات هو إنجاز للوطن وللأجيال القادمة.

* أستاذ و رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة نيو إنجلند الأمريكية

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات