ليبيا التي تبعدنا عنّا

نورالدين خليفة النمر |
نورالدين خليفة النمر

تستبعد المعطيات الراهنة أن يتبلور في القريب العاجل موقف أميركي يعكس تُجدّد المصالح التقليدية لفريق الجمهوريين في النفط الليبي، الأمر الذي يعطي الأهمية البالغة للخطوة الإيطالية الليبية بتوقيع "مذكرة التفاهم" بين ليبيا وإيطاليا حول الهجرة غير الشرعية، و دعمها بـ"إعلان مالطا" المحفّز لإيطاليا لمعالجة مسألة تدفق المهاجرين غير الشرعيين بالشراكة مع الحكومة الليبية المدعومة دولياّ.

وإن موقفاً أوروبيا موّحداً بهذا الخصوص، في الوقت الذي يحسم موقف الدول الأوربية المتلكئة كفرنسا المتذبذبة وبريطانيا الخارجة بـ "البريكست"، فإنه يقطع الطريق أمام القوى الدولية ووكلائها في الإقليم، الذين تناهبوا القضية الليبية لـ5 سنوات لتجميدها في نفق النزاع السياسي المعتم الذي يعكس أفق ظروفهم وسياساتهم العقيمة التي لايوجد في المستقبل المنظور لها مخرج.

استقلال ليبيا كدولة موحدة بأقاليمها الثلاثة قرار أميركي أُلجئت إليه بريطانيا كدولة منتدبة بعد الحرب العالمية الثانية

مع انطلاقة العام 2017 بدأ الوكلاء الأقليميون يَحثّون جهودهم التفاوضية الكسولة إلى إدماج كتلتي النزاع الانقسامي الليبي، في صيغة حلّ سياسي ثنائي يُضمّ لحسابات دولية أُثبت عقمها وفسادها من جهة: التيار الإسلامي المصطنع في ليبيا، بكل متضمناته المتضاربة، وغير الديمقراطية التي تهيمن بميليشياتها على الحكومة التوافقية التي صاغها اتفاق التفاوض السياسي في "الصخيرات" والمعترف بها دولياً، ومن جهة أخرى توجّهات العسكرتريا المضادة للديمقراطية بطبيعتها التي خبرها الليبيون لـ 42 عاماً، والتي أعادت إنتاج نفسها كفرض أمر واقع بمسّمى وهمي هو الجيش الليبي الذي يحارب الإرهاب!، عبر إدارة تحالفات قبلية بعضها من البقايا الموالية للنظام الدكتاتوري السابق، ومجموعات دينية سلفية ملوّحة بفزّاعة الهيمنة على المصادر المهمّة للنفط الليبي. الأمر الذي ركن في أدراج التبريد والموت المطالبَ الديمقراطية المحتشمة، وتوفير أدنى شروط العيش الآدمي التي نادى بها المتظاهرون العفويون الشُبّان عام 2011 في شوراع مدن وبلدات مشتتة في الجغرافيا الليبية.

تصريح وزير الخارجية الأميركية المقترح "تيلرسون" لصحيفة "لا ستامبا" بأن بلاده تنظر إلى إيطاليا كشريك رئيسي فيما يتعلق بالتحديات الجيوسياسية في ليبيا كان مثار اهتمام في إيطاليا، نظراً للانتقادات التي وجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخراً، لسياسة الاتحاد الأوروبي المتعلقة بشؤون الهجرة ودعمه العلني لخروج بريطانيا المنتظر من الاتحاد الأوروبي.

تيلرسون بحكم وظيفته السابقة رئيساً لـ "إكسون موبيل" وهي من الشركات النفطية الأولى الكبرى المنخرطة في اكتشاف البترول الليبي وتصديره في ستينيات القرن الـ 20، يقاسم إيطاليا اهتمامها، بحماية مصالحها النفطية الكبيرة في ليبيا، المقسومة بالنزاع السياسي. مساهمة إدارة أوباما عام 2016 عبر ممثلها في ليبيا جوناثان واينر الذي اختتمت مهمته بنهاية العام مهّدت الأرضية لهذا التوجّه الأميركي- الإيطالي المتوّقع بتجميد النزاع الليبي وبلورته في حدود التوحد ضدّ التحركات العسكرية غير المجدية التي يقودها المكوّن الموهوم للجيش الليبي وقائده مدعوما بمجموعات سلفية وقبلية في برقة بالشرق صوب الغرب، الذي ستتوحد أمام التهديد مجموعاته من تنظيمات مسلحة جهوية ممثلة بقوة مصراتة الضاربة وإيديولوجية إسلاموية كأنصار الشريعة، والمقاتلة الليبية، وغيرها من العصابات الحرابية. النتائج الخطيرة المتوقعة من هذا الصدام تلزم الموقف الأمريكي ـ كما بين واينر في لقائه سياسيين أميركان بواشنطن ـ أن يجبر قائد الجيش الليبي المزعوم على أن ينضوي مبدئياً تحت سلطة حكومة التوافق ومستقبلياً بالانخراط في السياسة إن رغب عبر الترشح لانتخابات شفافة بدلاً من استخدام القوة العسكرية غير المجدية والمتعارضة مع المستجدات المعقدة التي أفرزتها لمدة ستة أعوام معطيات النزاع، والاحتراب.

استقلال ليبيا كدولة موحدة بأقاليمها الثلاثة قرار أميركي أُلجئت إليه بريطانيا كدولة منتدبة بعد الحرب العالمية الثانية على ولايتي برقة وطرابلس وأجبرت عليه فيما بعد فرنسا بالتخلي عن إقليم فزان. المصالح الإمبريالية والجيوسياسية ضد الاتحاد السوفياتي غريمها القادم في حقبة الحرب الباردة دفعت الولايات المتحدة الأميركية، إلى إنشاء قاعدة "ويلس" الحربية، وعندما طلبت الحكومة الليبية المستقلة والمنعدمة الموارد ــ فيما ذكره رئيس الوزراء السابق بن حليم في مذكراته ــ أن تكون الأرض مؤجرة بمبلغ مليون دولار سنويا انتفض الرئيس إيزنهاور ملوّحاً بممانعة الكونغرس الأخلاقية بأن القاعدة استحدتث للدفاع عن العالم الحُرّ ومن ضمنه الدولة الليبية المستقلة حديثاً عن الاستعمار.

ملف الهجرة غير النظامية إلى أوروبا، هو الذي سيعطي الدولة الليبية القادمة جدارة الدولة الناظمة في شمال أفريقيا

عندما استقلت ليبيا عام 1951، كانت مصر ملكية مستقلة إسمياَ، وبعد وقوع ثورة الجيش عام 1952، تمّ جلاء القوات الإنجليزية عنها باتفاقية وقّعها الرئيس محمد نجيب في سنة 1954. بينما الجزائر كانت تحتلها فرنسا، ونالت استقلالها الذي ساهم فيه بالمؤازرة والتبرعات العينية الليبيون شعبا وحكومة عام 1962. لن نتكلّم عن دول أخرى مجاورة كتونس أودول أفريقية تربطها حدود بعيدة في الصحراء كالسودان وتشاد والنيجر ونستثني الجزائر ومصر اللتين لمتانة المؤسسة العسكرية التي تحكمهما يؤمل منهما الحلّ السرابي للأزمة الليبية الراهنة، ولكنه سراب بقيعة يحسبه الضمآن ماءً.

عدا المستجدات النفطية المتوقعة لبلورة موقف أميركي، يعكس المصالح عبر الشراكة مع إيطاليا في ليبيا، فإن ملف الهجرة غير النظامية إلى أوروبا، هو الذي سيعطي الدولة الليبية القادمة جدارة الدولة الناظمة في شمال أفريقيا كما كانت في ستينيات القرن الـ20 لمكانتها الجيوسياسية، وقوتها الاقتصادية. فقط الرهان يقع على كاهل القدرات السياسية الليبية الليبرالية المؤهلة ديمقراطياً كما في الحقبة الستينية الملكية التي مثلّها سياسيون موهوبون كـ: محيّ الدين فكيني وعبد الحميد البكوش، والتي تترّقب الظروف الدولية المهيأة لذلك والمتوحدة للتصدي للتوهّمات والسرابات.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات